إعادة إعمار غزة

ليست هذه هى المرة الأولى التى تتم فيها الدعوة إلى «إعادة إعمار غزة» لكنها أكثرها حرجاً، وأعمقها تعرضاً لتسييس واضح، بل يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من أدوات الحرب نفسها، ويتم الرهان عليها من قبل تل أبيب، خصوصاً، فى أن تحقق لها الكثير من الأهداف التى أخفقت فى بلوغها بالسلاح.

ابتداء، تجهز مصر لاستضافة مؤتمر دولى تحت عنوان «التعافى المبكر وإعادة الإعمار والتنمية فى غزة» فى النصف الثانى من شهر نوفمبر المقبل، وهو يشكل فى نظرى نقطة الاختبار العملى الحقيقى لما إذا كان هذا المسار سيأخذ طريقاً سلسة أم لا، ومعرفة مدى استجابته لشروط الواقع، ولصالح أهل غزة الذين أُرتكبت ضدهم «إبادة جماعية»، وتوافقاً مع مبادرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حول وقف الحرب وترتيب ما بعدها، وتماشياً مع اتجاهات الرأى العام العالمى، الذى خرج فى كل مكان يطلب وقف العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، ويجد فى إعادة الإعمار أول تعويض للغزيين، على أن يكون خالصاً لوجه الناس، غير خاضع لمساومة أو توظيف يحرفه عن مجراه الطبيعى.

ومن الضرورى فى هذا المقام العمل، من الآن فصاعداً، على إلزام إسرائيل بدفع تعويضات كبيرة عن استهدافها عمران غزة، البنايات والمدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس ومنشآت البنية التحتية جميعاً. فإفلات إسرائيل من الغُرم على مدار العدوان المتتالى على غزة، لا سيما منذ أول حرب وقعت فى 2008 وإلى حرب طوفان الأقصى مروراً بحروب 2012 و2014 و2021، شجعها فى الحرب الأخيرة على التمادى فى التدمير، بغية جعل قطاع غزة مكاناً غير صالح للعيش، بما يجبر سكانه على الهجرة.

بالقطع لن تستجيب إسرائيل لهذه المطالبة، إلا أنها ستصبح واحدة من أوراق الضغط عليها مستقبلاً، إن وضعت العراقيل أمام إعادة الإعمار، والأهم أنها ستدفع طاقة جديدة إلى مجرى الحملة الإعلامية ضد إسرائيل، بما يجعل الرأى العام العالمى مستمراً فى انفعاله بالقضية الفلسطينية، وتحويله إلى فعل مؤثر، لا سيما أن هذا كان أحد العوامل المهمة التى ساهمت فى دفع الولايات المتحدة الأمريكية نفسها إلى التدخل لوقف الحرب.

فى العموم فإن عملية «إعادة الإعمار» تتطلب توافر عدد من الشروط المهمة، يمكن ذكرها على النحو التالى:

1- التمثيل: فمن الضرورى أن يتسع نطاق المشاركين فى «إعمار غزة» ليشمل الكثير من الدول، ليس لضمان زيادة حجم التبرعات أو حتى الاستثمارات فى القطاع لاحقاً، إنما لخلق زخم دولى كبير حول هذه العملية، يعطيها دفعة إلى الأمام، وهى مسألة لم تكن بعيدة عن ذهن الخارجية المصرية، حيث أعربت فى بيان حول المؤتمر عن تطلعها لـ«مشاركة فاعلة من مختلف أطراف المجتمع الدولى».

2- الجدية: إذ إن إعمار غزة عمل شاق، قياساً إلى الدمار غير المسبوق الذى خلفته الحرب، حتى إن حجم الركام يصل إلى 55 مليون طن، وهو ما يعادل ضعفى مدينة نيويورك الأمريكية كاملة، ونزولاً على التكلفة التى تصل، وفق تقديرات مشتركة من الأمم المتحدة (UN) والبنك الدولى، إلى حوالى 70 مليار دولار أمريكى.

3- الزمن: فلا بد من الالتزام بالمدة التى تم تحديدها، وهى خمس سنوات مقسمة على ثلاث مراحل، الأولى مدتها ستة شهور بتكلفة قدرها 3.5 مليار دولار، والثانية لمدة ثلاث سنوات بقيمة 30 مليار دولار، والأخيرة لمدة سنة ونصف بقيمة تربو على 35 مليار دولار.

4- توزيع الأعباء: فكُلفة الإعمار كبيرة، ولا يمكن تحميلها على أطراف بعينها، مع إفلات إسرائيل من تقديم أى تعويض، فإن كان هذا من شأنه عرقلة العملية فلتتم مطالبة إدارات الدول التى تساند إسرائيل بدفع حصة كبيرة.

5- تخليص عملية الإعمار من أى تجاذبات وحمولات سياسية وعسكرية، أو على الأقل تخفيف هذا إلى الحد الأدنى. فتوظيف العملية فى ممارسة ضغوط على المقاومة الفلسطينية وخلفها أهل غزة، لا سيما حاضنها الاجتماعى من بينهم، لحملها على تقديم تنازلات لم تحصل عليها إسرائيل بالحرب، يفقد العملية دورها الطبيعى، ويحولها إلى آلية شريرة بدلاً من أن تكون رافعة نحو «السلام» الذى يتحدث عنه الرئيس الأمريكى.

6- الاستجابة لاحتياجات أهل غزة، وإشراكهم فى تحديدها، سواء فى إعادة بناء ما تهدم، أو إنشاء مبانٍ جديدة. فالأفضل لا يكون أبداً بهندسة قطاع غزة على غير ذوق أهله وما يحتاجون إليه، تحت أى ذرائع، اللهم إلا إذا كانت هناك ضرورات فنية فى بعض الحالات، وحتى لو تم التغيير فمن المنتظر أن يكون إلى الأفضل.

بالطبع فإن التعافى وإعادة إعمار غزة وتنميتها اقتصادياً، كما هو مطروح، أمر غير هين، ليس لكلفته المالية، فربما يكون هذا هو الأيسر فى العملية برمتها، إنما لاتجاه إسرائيل إلى تحويلها إلى آلية ضغط على المقاومة، أو وسيلة لاقتناص بعض الأهداف، سواء القريبة أو بعيدة المدى. وما يزيد الطين بلة أن الدول المدعوة للمساهمة فى التبرع لإعادة الإعمار ليست متفقة تماماً على رفض هذا المسلك الإسرائيلى.