خريف «الملالي».. إيران على أعتاب مرحلة فاصلة في تاريخها

كتب: محمود العيسوي

خريف «الملالي».. إيران على أعتاب مرحلة فاصلة في تاريخها

خريف «الملالي».. إيران على أعتاب مرحلة فاصلة في تاريخها

تقف إيران اليوم على أعتاب مرحلة فاصلة فى تاريخها الحديث، إذ تترقّب البلاد انتقالاً وشيكاً فى القيادة، وربما فى طبيعة النظام نفسه، فمع اقتراب نهاية حكم المرشد الأعلى آية الله على خامنئى، البالغ من العمر 86 عاماً، تلوح فى الأفق ملامح اضطراب سياسى عميق، يُهدّد بنهاية حقبة كاملة من «الثيوقراطية»، التى حكمت الجمهورية الإسلامية منذ عام 1989، وقد اندلعت شرارة التغيير المحتمَل خلال حربٍ استمرت 12 يوماً، فى يونيو الماضى، حين شنّت إسرائيل هجماتٍ واسعة على المدن والمنشآت العسكرية الإيرانية، ممهّدة الطريق أمام الولايات المتحدة لإلقاء 14 قنبلة خارقة للتحصينات، على مواقع نووية رئيسية.

«حرب الـ12 يوماً» كشفت التناقض بين «الشعارات الثورية الصاخبة» والقدرات الفعلية لنظام فقد نفوذه الإقليمى

وحسب تقرير لصحيفة «فورين أفيرز» فقد كشفت تلك الحرب حجم الهوة بين الشعارات الثورية الصاخبة فى طهران، والقدرات الفعلية لنظام فقد الكثير من نفوذه الإقليمى، ولم يعد يسيطر على مجاله الجوى، كما تراجعت قبضته على شوارع بلاده، وفى ختام الحرب، خرج «خامنئى» من مخبئه، ليعلن «النصر» بصوت متهدّج، فى مشهد بدا أقرب إلى اعتراف بالعجز منه إلى استعراض للقوة.

إلا أن التحولات التى تشهدها إيران، أو تلك التغييرات المرتقبة، والتى تصفها الصحيفة الأمريكية بـ«خريف الملالى»، تفرض مجموعة من التساؤلات، منها: هل ستتمكن الجمهورية الإسلامية من البقاء، أم ستتحوّل، أم ستنهار؟، وما شكل النظام السياسى الذى قد يخلفها؟، مشيرة إلى أن «ثورة 1979» غيّرت وجه إيران، حين أطاحت بالنظام الملكى الموالى للغرب، لتقيم مكانه نظاماً دينياً معادياً للولايات المتحدة وحلفائها، فحوّلت طهران، بين ليلة وضحاها، من حليف إلى خصم لدود، واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يقف العالم أمام مرحلة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط مجدداً، لأن مصير إيران، بما تملكه من ثروات هائلة، وموقع محورى، يتجاوز حدودها، ليُؤثر فى التوازن الإقليمى والعالمى.

على مدى العامين الماضيين، ومنذ هجوم «حماس» على إسرائيل فى 7 أكتوبر 2023، الذى أيّده «خامنئى» علناً، تلقى مشروعه الإقليمى ضربات قاصمة، فحلفاؤه وقادته العسكريون قُتلوا أو اغتيلوا، وأذرعه فى المنطقة شُلّت، ومنشآته النووية التى أنفقت عليها البلاد مليارات الدولارات، دُمّرت بالكامل، وفى الداخل، لم تنجح محاولات النظام لتحويل الهزيمة إلى فرصة لتعبئة الشعب، لأن الواقع الاقتصادى والاجتماعى بلغ حداً من التردى لم يعد يُحتمل، حيث يعيش أكثر من 92 مليون شخص فى واحدة من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات والعزلة، بعملة فقدت قيمتها، وجواز مرفوض فى معظم مطارات العالم، وإنترنت خاضع للرقابة، وهواء ملوث يخنق المدن الكبرى.

وتعتبر الصحيفة الأمريكية أنه خلال 36 عاماً من سيطرة النظام الدينى، بنى «خامنئى» حكمه على ركيزتين، الأولى تتمثل فى «التمسّك الأيديولوجى بمبادئ الثورة»، والثانية «رفض أى إصلاح سياسى أو انفتاح على الولايات المتحدة»، فقد كان يرى أن أى انفتاح سيقضى على النظام، كما فعلت إصلاحات «جورباتشوف» بالاتحاد السوفيتى السابق، لكنه اليوم يواجه مصيراً مشابهاً لذلك الذى حاول تجنبه، نظام مترهل، ومجتمع ناقم، واقتصاد يترنّح، وطبقة حاكمة غارقة فى الفساد والعزلة.

ومع اقتراب النهاية، تتعدّد السيناريوهات لما بعد خامنئى، فربما ينهار النظام الدينى ليُفسح المجال أمام حكم عسكرى على غرار باكستان، أو يتحول إلى نظام قومى سلطوى شبيه بروسيا ما بعد الشيوعية، أو يتبنّى براجماتية الصين، مع الإبقاء على القبضة الحديدية، أو يغرق فى عزلة تامة مثل كوريا الشمالية، أو يسلك طريقاً إصلاحياً نحو ديمقراطية شكلية، كما فى تركيا، وكل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل بذور أزمة جديدة.

وتشير «فورين أفيرز»، فى تقريرها، إلى أن تاريخ إيران الحديث محفوف بعقدة «الريبة»، إذ يرى الإيرانيون أنفسهم ورثة حضارة عظمى، أُهينت مراراً على أيدى القوى الكبرى، فقد خسرت إيران فى القرن الـ19 نصف أراضيها لصالح روسيا وبريطانيا، وتعرّضت لانقلابات واحتلالات متكرّرة، آخرها «انقلاب 1953»، المدعوم من واشنطن ولندن، ضد حكومة «محمد مصدق» المنتخبة. من هنا، ترسخ فى وعى حكامها شعور دائم بالمؤامرة، من «رضا شاه»، إلى «خامنئى»، الذى لم يخلُ خطاب له من الإشارة إلى «المخططات الأمريكية والصهيونية»، هذا الإرث من الشك تسلل إلى المجتمع، فغدت الثقة عملة نادرة فى إيران.

وحين يرحل «خامنئى»، فإن التغيير قد يأتى إما بانهيار مفاجئ، كما حدث فى موسكو عام 1991، أو بتحول تدريجى نحو نظام براجماتى، كما فى الصين بعد «ماو»، لكن الاحتمال الأكثر واقعية، هو بروز زعيم عسكرى من «الحرس الثورى»، يتبنّى خطاباً قومياً بديلاً عن الإسلام السياسى، ليصبح «بوتين إيران»، حاكماً باسم «الكبرياء الوطنى» لا باسم الدين. فى المقابل، قد يحاول النظام أن يسلك «النموذج الصينى»، بالتحول من الثورة إلى التنمية، والانفتاح اقتصادياً دون إصلاح سياسى حقيقى، مع بقاء قبضة «الحرس الثورى» على مفاصل الاقتصاد، إلا أن إيران تفتقر إلى مقومات الصين، فاقتصادها ريعى، يعتمد على النفط، وشرعيتها الشعبية شبه معدومة، مما يجعل أى انفتاح اقتصادى محفوفاً بالمخاطر.

أما السيناريو الأكثر قتامة فهو «النموذج الكورى الشمالى»، نظام منغلق يعيش على العسكرة والبطش، ربما يقوده «مجتبى خامنئى»، نجل المرشد الحالى، فى سابقة تهز أسس الثورة التى قامت أصلاً ضد الوراثة الملكية، غير أن المجتمع الإيرانى أكثر انفتاحاً ووعياً من أن يقبل بمثل هذا المصير.

ويبدو أن «الحرس الثورى»، الذى يسيطر على مفاصل الدولة والاقتصاد، قد يكون الوريث الفعلى للنظام، مثلما هى الحال فى باكستان، حيث الجيش هو الحاكم الفعلى، لكنه أيضاً يعانى من التصدّع والفساد الداخلى، وقد لا يتمكن من فرض استقرار دائم، بعد رحيل المرشد.

وتختتم الصحيفة الأمريكية تقريرها بالقول إنه فى نهاية المطاف، تمتلك إيران كل مقومات الدولة الكبرى، فهى تمتلك موقعاً استراتيجياً، وشعباً متعلماً، وموارد طبيعية ضخمة، وتاريخاً يمتد لآلاف السنين، لكنها تحتاج إلى قيادة تضع مصلحة الوطن فوق الشعارات، وتعيد للناس حقهم فى «حياة عادية» خالية من الخوف والرقابة والفقر، خصوصاً أن النظام الدينى أهدر


مواضيع متعلقة