د. عبد الحكيم القرالة يكتب لـ«الوطن»: إمكانية دمج التيارات الدينية في النظم السياسية.. التحديات والفرص
د. عبد الحكيم القرالة يكتب لـ«الوطن»: إمكانية دمج التيارات الدينية في النظم السياسية.. التحديات والفرص
تواجه مسألة دمج التيارات الدينية فى الأنظمة السياسية إشكاليات تصعب من مهمة الاندماج، ونجاحها يرتبط بالتيارات ذاتها ونظرتها ورؤيتها للمشاركة السياسية، وأبعاد أخرى مرتبطة بأطماع سياسية قائمة على التفرد والتشدد والإقصاء، فضلاً عن تعدد الولاءات والارتباطات خارج حدود الدولة.
كثير من النظم لا توفر مناخات سياسية للحرية والتعددية الفكرية، غير أنه فى ذات الوقت هنالك الكثير من النظم توفر البيئة الحاضنة للتعددية، لكن يتم استغلالها من كثير من التيارات الدينية فى جوانب كثيرة قائمة على نشاطات غير مشروعة، وتتجاوز القوانين بشكل سافر ومضر بالمصالح العليا للدول.
وهنا، فإن دمج التيارات الدينية فى العملية السياسية تحت مظلة القانون والدستور القائم على العدالة أمر فى غاية الأهمية، يعزز التعددية والشرعية للنظم السياسية، بحيث لا إقصاء لأى طرف أو اتجاه أو تيار.
غير أن هذا الدمج يجب أن يكون مشروطاً ومنضبطاً بالقوانين الناظمة للحياة السياسية، حتى لا يتم استغلال الدين لمصالح فئوية وأجندات سياسية ضيقة تخدم هذه الفئة أو تلك باسم الدين وقدسيته، وبالتالى فرض رؤى وتوجهات إقصائية لباقى التيارات، ما يشكل خطراً على مناخات التعددية الفكرية والسياسية.
عملياً، كيف يمكن دمج التيارات الدينية على أرض الواقع؟ ذلك يعتمد على عدة محددات؛ أولها ما يرتبط بالتيار ذاته وأيديولوجيته، هل هو إصلاحى ومنفتح على التعددية أم متشدد ويقصى باقى التيارات؟ وأخرى متعلقة بطبيعة وشكل النظم السياسية هل هى ديمقراطية أم شمولية؟ فضلاً عن الإطار القانونى والدستورى للنظم السياسية، هل الدين المرجعية أم علمانية تفصل الدين عن الدولة؟
هنالك أمثلة ونماذج كثيرة حول اندماج التيارات الدينية فى النظم السياسية، وتلك التجارب بعضها فشل لأنه قائم على التشدد والإقصاء والعنف والتطرف، فى المقابل نماذج نجحت إلى حد ما لأنها قائمة على الاندماج المقونن والمضبوط بالقوانين والدساتير ومرتكزات الديمقراطية. فى ظل هذه الإشكالية نجد أنه من الضرورة بمكان وزمان البحث عن أسس منطقية وواقعية تجعل من الاندماج ناجحاً وسليماً، ذلك المرتبط بالمشاركة السياسية، عبر أحزاب سياسية مدنية ذات مرجعية دينية وليست كسلطة دينية وصية على المجتمع، شريطة الالتزام بالدستور والقوانين الناظمة للعمل السياسى، واحترام حرية الاعتقاد والحقوق السياسية لباقى التيارات دون إقصاء.
فى التجارب فى المنطقة تكمن الإشكالية الكبرى بأن بعض التيارات الدينية تعيش حالة من ازدواجية الولاء، بارتباطها بتنظيمات وكيانات خارج الدولة يكون الولاء الأكبر لها على حساب الأوطان فى إطار تحقيق أجندات ضيقة.
هذا الأمر مرتبط بشكل مباشر بالعمل السرى والمخالف للقوانين الناظمة، بما يعد انتهاكاً صارخاً للإطار القانونى ذى الصلة، خصوصاً ما يرتبط بالتمويل الخارجى، الذى يستخدم لأغراض سياسية وأجندات تسعى بعض التيارات لاستخدامها بشكل سافر يمس الأمن الوطنى للدول.
الإشكالية الكبرى فى هذا الصدد تكمن فى أن بعض هذه التيارات تمارس الديمقراطية بأسلوب غير نزيه، من خلال جمع الأموال واستغلالها وإنفاقها بوجه غير مشروع، وللتأثير فى إرادة الناس واللعب على وتر العاطفة، واستغلال الدين، عندما تتعلق الأمور بقضايا جوهرية ومصيرية ومحاولة امتهان التدليس عليهم لخلق فوضى تخدم أجنداتهم الضيقة. الكثير من التيارات تم إدماجها بالنظم السياسية عبر أطر حزبية وقانونية، غير أنها حاولت فى مراحل كثيرة الاستقواء على الدول والمحاولة الممنهجة لإحداث حالة من الفوضى تخدم مصالحهم، وكان نهجهم لا يقوم إلا على الإقصاء والعنف أحياناً كثيرة.
وهنا، فإن المعضلة لا تكمن فى توفير بيئة نظام سياسى حاضنة للتعددية، بل فى طبيعة رؤية وفكر بعض التيارات التى تؤمن بالولاء المزدوج وارتباطها بتنظيمات خارج الدول ويكون الولاء لها، وبغض النظر عن مشروعية الوسائل، فالهدف يبرر الغايات التى تكون ضيقة ومرتبطة بأجندات تهم تلك التيارات بغض النظر عن ارتدادات ذلك على أمن واستقرار ومصالح الدول.
وفى هذا فإن مرتكزات نجاح دمج التيارات الدينية فى النظم السياسية، عبر مشاركة فاعلة لها تسهم فى صنع القرار، تتطلب وجود أحزاب سياسية وطنية هدفها الأول وغايتها الأخيرة خدمة الوطن والمواطن، وأن تخرج من عباءة التنظيمات العابرة للحدود، عندها يمكن أن تكون الطريق ممهدة لنجاح هذه التجربة، وبالضد من ذلك تكون الأمور عندها خارج الإطار الوطنى الذى له تبعاته السلبية والخطيرة على المجتمع والدولة.
جملة القول، الدمج ومدى نجاحه واقعياً ممكن ويعتبر حالة صحية وضرورة، إذا ما كانت تحت مظلة الدستور والقانون وبما يضمن العمل السياسى الديمقراطى ويحترم التعددية ويوازن بين الهوية الدينية للمجتمعات ومتطلبات الدولة المدنية والحديثة، وعكس ذلك من مآرب قد يذهب باتجاه الفوضى وعدم الاستقرار والإضرار بالدول.