المنطقة الرمادية للحياة السياسية

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

ما هى أجرأ المحاور التى تناولها فيلم فهرنهايت 9/11؟، وهو فيلم وثائقى من إنتاج عام 2004م كتبه وأخرجه منتج الأفلام الأمريكى المخرج مايكل مور. وينتقد فيه المخرج الولاية الرئاسية للرئيس الأمريكى السابق جورج دبليو بوش؛ بداياتها وأحداثها، وطريقة تعامل الرئيس الأمريكى ومعاونيه مع أحداث 11 سبتمبر 2001، والحرب على الإرهاب وطريقة تغطية وسائل الإعلام الإخبارية الأمريكية لتلك المواضيع.. المحور الأجرأ فى هذا الفيلم كان عن علاقة عائلة بوش وعائلة عربية، استثماراتها فى الولايات المتحدة الأمريكية مرتفعة للغاية وتصل إلى 860 مليار دولار أمريكى، منها 1.4 مليار مدفوعات لبوش وأصدقائه ومعاونيه.. فالعالم الغربى لا يقبل اقتحام مال أجنبى للعملية الانتخابية هناك، ويعتبره الركن الأساسى فى الغش السياسى، خاصة أن أهمية فترة رئاسة «بوش» شهدت الحرب على الإرهاب وبدء الهجوم على العراق مارس 2003.. وكثيراً من اللغط والتفاصيل حول أحوال الجنود ورواتبهم.


المخرج «مايكل مور» كان يسعى بالأساس للتأكيد على عدم جدوى الحرب، واستغلال الفقراء، الحرب لأسباب مالية.. وقتها لم يتم التحقيق مع الرئيس الأمريكى «جورج دبليو بوش» بسبب حملته الانتخابية، ولكن عائلته تعرضت للتحقيق بسبب قضية «إيران كونترا» خلال فترة نائب الرئيس.. كما أن حملة بوش الانتخابية لعام 2004 شهدت جدلاً حول سجله العسكرى، لكن هذا لم يصل إلى حد التحقيق الجنائى. لكن العقل الغربى يعتبر «الشبهات» دليل إدانة وكأنه يريد ملفات «نقية» للرؤساء لا تشوبها شائبة وعملية انتخابية نظيفة لا يتدخل فيها «المال السياسى».


لكن الذى تعرَّض للتحقيق القضائى وتمت محاكمتة هو الرئيس الفرنسى السابق «نيكولاى ساركوزى» ومتهمون آخرون معه، بينهم ثلاثة وزراء سابقين، فى قضية الاشتباه بتلقيه تمويلاً ليبياً لحملته الانتخابية فى 2007.
وتعود القضية إلى أواخر 2005 حين كان ساركوزى وزيراً للداخلية، وهو متهم مع 11 آخرين بأنه عقد «اتفاقاً ينطوى على فساد» مع الرئيس الليبى «معمر القذافى» الذى قُتل عند الإطاحة بنظامه فى 2011، من أجل تمويل حملته للوصول إلى قصر الإليزيه.


وبالفعل حُكم على ساركوزى بالسجن خمس سنوات بتهمة التآمر لجمع أموال من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية عام 2007، وسيصبح ساركوزى، الذى تولى الرئاسة بين عامَى 2007 و2012، أول رئيس فرنسى سابق يُسجن منذ المارشال فيليب بيتان.


وذهب «ساركوزى» إلى سجن «لاسانتى»، حيث سيقضى حكماً بالسجن 5 سنوات بتهمة التآمر لجمع أموال من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية عام 2007.


وكان الرئيس الفرنسى الأسبق أكد أنه «برىء»، وذلك فى تدوينات عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعى، قبل إيداعه فى سجن «لاسانتى» فى زنزانة انفرادية. وغادر «ساركوزى» مقر إقامته تحت حراسة أمنية مشددة ليتجه إلى السجن، فيما تجمَّع نحو مائة من أنصاره أمام منزله غربى باريس دعماً له.. بعد أن قرر القضاة إدانته بـ«التآمر الجنائى»، وسجنه بدون انتظار محاكمة الاستئناف التى من المقرر أن تُعقد قبل حلول الصيف المقبل. وكشف ساركوزى لصحيفة «لوفيغارو» أنه سيواجه السجن «برأس مرفوع»، وذهب حاملاً معه كتابين: سيرة عن المسيح، ورواية «الكونت دى مونت كريستو»، التى تجسد قصة برىء أُدين ظلماً. وهو وضع أشبه بفيلم سينما يتابع السجين السياسى الأشهر تختلط فيه الحقيقة بالخيال.


أتذكَّر عقب ثور 25 يناير كانت هناك مطالبات كثيرة بعقد محاكمات عسكرية بتهم على رأسها «إفساد الحياة السياسية»، ولم تكن التهم التى يطلقها البعض لها توصيف جنائى محدد فى «قانون العقوبات» ولا لها عقوبات معروفة، كانت القصة أقرب ما تكون لـ«فش غل» فيمن احتلوا الصورة خلال حكم «مبارك» من خلال «الحزب الوطنى»، وربما كانت «موقعة الجمل» هى القضية الوحيدة بهذه المعانى، والتى تمثلت فى هجوم بالجمال والبغال والخيول يشبه معارك العصور الوسطى فى يوم 2 فبراير 2011 للانقضاض على المتظاهرين فى ميدان التحرير فى القاهرة أثناء ثورة 25 يناير، وذلك لإرغامهم على إخلاء الميدان حيث كانوا يعتصمون.
لكن دائرة الاتهام اتسعت، وأُلقيت التهم جزافاً، وشملت العديد من رموز النظام السابق من وزراء ورجال أعمال، حتى بعض من كانوا يعارضون رموز النظام بشكل أو بآخر شملهم كذلك الاتهام.. لهذه العشوائية فى توجيه الاتهامات وعدم معقولية الدوافع وعلاقة المتهمين بالبلطجية.. نجا جميع المتهمين من السجن.


فبرغم قائمة الجرائم الكثيرة التى تضمَّنها القانون المصرى حين نأتى للحياة السياسية، وهى الركيزة التى تحدد مسار الدولة واستقرارها، نصطدم بغياب مادة صريحة تحمل عنوان «إفساد الحياة السياسية».. القوانين المصرية تُجرِّم بعض الأفعال المرتبطة بالعملية الانتخابية أو العمل الحزبى، لكن بصورة متفرقة، مثل شراء الأصوات، حيث يُعتبر جريمة انتخابية، عقوبتها الحبس والغرامة والتزوير فى المحاضر والأوراق الرسمية، أما منع الناخب من التصويت بالقوة أو التهديد فعقوبته الحبس، لكن استخدام الدين أو العرق كسلاح انتخابى مثلاً، أو التلاعب، فكلها تقع فى منطقة رمادية.. أتصور أن على «مجلس النواب » القادم سن تشريعات لازمة لتلافي هذا الوضع.