فلسطين والجغرافيا المتخيلة (1)
لم تعد الجغرافيا، كعلم معتبر، تقتصر على المتعارف عليه عنها من قبل بوصفها تهتم بالطبيعة، من حيث الأشكال والظواهر والموارد بما فيه الموارد البشرية، حيث دخلت إليها علوم أخرى، فى ظل تداخل الأنواع فى الواقع، مثل الجغرافيا السياسية التى تمثل «كتابة القوة على الأرض»، ثم ظهرت فروع أخرى لهذا العلم، على استحياء، ولم تلبث أن رسخت أقدامها، ومنها «الجغرافيا الثقافية»، التى انشغلت بمفهوم المكان، وجوانبه المجازية والرمزية، معرّجة على متخيل جغرافى بوصفه لا يمثل فقط المكان المخترع من قبل الأدباء كخيال إبداعى، إنما أيضاً الأفكار والصور والأشكال والتصورات التى تصاحب الصراع على الجغرافيا فى الواقع.
وفى جوهره، يجرى الصراع العربى الإسرائيلى على المكان، الذى يتم التعبير عنه فى الخطابات الرسمية، ومنها الاتفاقات أو المبادرات، بكلمة «الأرض». إنها الكلمة التى تكررت كثيراً فى المقاربات التى شملتها مختلف المفاوضات تحت مبدأ «الأرض مقابل السلام»، أو الحديث عن «الأرض التى تم احتلالها فى حرب 67» أو الخلاف فى مفاوضات مصرية إسرائيلية شاقة حول «لام التعريف» الملحقة بكلمة تُجسّد المكان، لينطلق السؤال: هل هى «أراضٍ» أم «الأرض»، فى الصراع على المكان يتم توظيف العناصر الأخرى، التاريخ والأساطير والنصوص الدينية وتأويلاتها والسياسة. ويعلو أى من هذه العناصر عند البعض ويأخذ وزناً أكبر من المكان، لكن كل هذه الأوزان التى تعلو وزن المكان، ليست فى حقيقة الأمر سوى تضليل أو انحراف عن الجوهر، أو تعمية عليه، لأغراض خاصة معوجة أو سيئة أو باطلة، أو إجرامية، بل كل هذا معاً، ربما يدرك من يقومون بهذا التضليل أو الانحراف أو تعمية الحقيقة أنهم يوظفون هذ العناصر فى التعبئة والحشد، أو تكون لديهم بمثابة الزيت الذى يُصَب على نار الصراع، أو الذريعة التى لا يمكن للبعض أن يقتنعوا إلا بها، وهم لا ينخرطون فى الصراع إلا وفقها، ولا يمتثلون إلا لشروطها.
وحتى أثناء استدعاء النصوص الدينية وتأويلاتها، أو التاريخ وأحداثه ووقائعه، يطل المكان برأسه قوياً، ويفرض وجوده، غير منكور ولا مستبعد، بل هو الذى يحدد جريان التاريخ والسياسة نفسها فى كثير من الحالات والمواضع والمواقف، دون مواربة ولا شك.
ومع هذا هناك من يريد أن يحشر الصراع فى زاوية عقائدية، فيراه صراعاً دينياً بحتاً بين المسلمين واليهود، مستدلاً على ذلك بأحداث قديمة، وردت فى النص القرآنى، وفى التوراة عبر حديثها عن «الأغيار»، وإمكانية استباحة أرضهم ومالهم وعرضهم ودمهم. وفى هذا تُستدعى أيضاً الأساطير، وما حملته الحوليات التاريخية بانتقاء وتحيز فاضحين، إن الأماكن الموجودة فى النصوص الدينية تعيّنت فى زمنها القديم، ودلت على البشر الذين سكنوها فى القرون الغابرة، ومع هذا يتم تأويلها لخدمة تصور أو أيديولوجيا جديدة، حديثة أو معاصرة، يراد منها الاستيلاء على الأرض، باعتبارها حقاً دينياً أو تاريخياً، ومن حصيلة التأويلات الدينية، واستدعاء التاريخ، تخدم «الجغرافيا المتخيلة» أطماع إسرائيل. فهى قامت فى الأساس على فِرية جغرافية هى «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض»، والتى لا تعدو أن تكون مسألة افتراضية أو من قبيل الخيال المريض، فأرض فلسطين كانت وقت إطلاق هذا الشعار تعج بسكانها، واليهود أنفسهم كانت لهم جغرافيتهم فى البلدان التى طال عيشهم فيها وهى موزعة على قارات العالم القديم، أو التى هاجروا إليها فى العالم الجديد.
إن شعار «إسرائيل من النيل إلى الفرات» الذى يقدم كثيرون دلائل على أنه استراتيجية تحمل خططاً وسياسات، منها تصريحات لمسئولين إسرائيليين خلال الحرب على غزة ولبنان، وليس مجرد شعار براق استهوى البعض أو كلام دعائى عابر، إنما هو نوع من «الجغرافيا المتخيلة» التى تلبس لبوساً عقدياً، عبر مزاعم تحملها تأويلات دينية يتوهم أصحابها أن ما نسبه البشر للرب، أو حتى ما يمكن أن تكون مصدره السماء، قابل للاستعادة إلى الوجود، والتطويع الدائم الذى يجعله من الوِسع والمُكنة كى يندمج فى استراتيجيات ما، منفصلاً عن سبب نزوله أو سياقاته، أو حتى إمكانيات تحققه وفق الشروط الراهنة.