فلسطين والجغرافيا المتخيلة (2)

تتحدث المقاومة، ومعها كثير من الشعب الفلسطينى، عن استعادة «فلسطين التاريخية»، تحت شعار التحرير «من النهر إلى البحر»، الذى صاغه البعض بعد اتفاقية أوسلو 1993 على أنه «من أريحا على النهر إلى غزة على البحر»، وهى مكان موجود بالفعل فى الواقع، متعين ومعروف، رغم تغيير أغلب الأسماء العربية للقرى والبلدات والمدن بعد قيام إسرائيل فى عام 1948 إلى أسماء عبرية، لكنه حين يحضر فى السجال الفلسطينى العام الآن يتهادى كمسألة متخيلة، إذ يقوم بشأنه تخيل المستقبل بكل إمكانياته وشروطه التى تحقق ما يصبو إليه هؤلاء.

وحتى الحديث عن «حل الدولتين» لا يخلو من جغرافيا متخيلة، قد تنزلق أحياناً من هذا «المتخيل» إلى «الموهوم»، فأين هى الجغرافيا التى بوسعها استيعاب حديث عن «دولة فلسطينية» إلى جانب إسرائيل، هل ستكون إقليمين منفصلين، أى الضفة الغربية وقطاع غزة، أم يتصلان عبر نفق طويل؟ أم عبر شريط حدودى يتوجه من الضفة غرباً فى صحراء النقب إلى الحدود المصرية ثم ينعطف شمالاً بمحازاتها حتى يصل القطاع، قاطعاً ما يربو على مائتى وخمسين كيلومتراً؟

هنا يثار السؤال: هل كل الذين يتصدون للحديث عن «حل الدولتين» يدركون البعد الجغرافى المتخيل لهذا الخيار أو السيناريو، لا سيما فى ضوء ارتباط هذا بحق العودة؟ أم أنهم منشغلون فقط بملء الفراغ، الناجم عن العجز عن طرح الحلول الناجزة، بكلام عابر لا يدرون تعيينه على الأرض، لا سيما فى ظل تمسك إسرائيل بـ«يهودية الدولة»؟

بسبب الحرب على قطاع غزة قفزت «سطوة المكان» إلى أعلى، وهى مسألة لا يمكن تجاهلها ولا نكرانها، بل ستظل واحدة من الآثار الأساسية والمستمرة لهذه الحرب. فكثير من الأماكن فى غزة، أحياء وشوارع تغيرت معالمها، حيث هدمت بيوت وصارت أطلالاً، وجرفت أرض وصارت بواراً، وضاعت معالم حوارى وشوارع وميادين وصارت من الماضى.

وإعادة إعمار غزة لن يعيد كل شىء إلى سابق عهده بالضبط، شأن ذلك شأن ما يدخل على أى بيوت مهدمة فى المدن أو الريف، حتى دون حرب، من تغيير. من هنا ستسكن الأماكن القديمة مخيلات الناس، تحط فى الذاكرة، وتأتى حين تتم استعادتها غارقة فى الحنين، وربما الأسى، لتستمر السطوة المعنوية أو العاطفية للمكان، حتى لو جعله «إعادة الإعمار» أكثر جمالاً أو متانة أو تنسيقاً مما كان عليه.

وبالطبع فإن هذه هى أقل خسارة تلقيها الجغرافيا على أهل غزة، أما أفدحها فهو ما قد يدخل على المكان، الذى يشمل هنا المكان كله، من تغيير جذرى إذا وقع تهجير الغزاويين قسراً، أو تمكنت إسرائيل من جزء منهم فقط، أو استطاعت اقتطاع أرض وإضافتها إلى «غلاف غزة». لكن الأمور لا تجرى فى اتجاه واحد، إذ يمكن أن يحدث النقيض تماماً، حين تتمكن المقاومة فى غزة من صنع جغرافيا مختلفة حول القطاع، بما يجعل غلاف غزة، حيث المستوطنات الإسرائيلية، يقع فى مرمى دائم لنيران المقاومين. ويؤدى هذا إلى إجبار إسرائيل على إدخال تعديلات على المكان هناك، ما يعنى أنه أثناء جريان عجلة القتال كان الخيال الجغرافى للإسرائيليين أيضاً يفكر فى اتجاهات متعددة.

إن الجغرافيا الحاضرة فى الذرائع الإسرائيلية والحجج الفلسطينية طوال الأيام الطويلة التى جرت، وحاضرة فى الحرب الدائرة عبر الطوبوغرافيا والإحداثيات التى تنطلق على أساسها الصواريخ والقذائف المدفعية، وستكون حاضرة فيما بعد حال أى تسوية تعقب توقف القتال، وهى طوال الوقت موجودة، إما واقعية متعينة أو متخيلة لا تبرح الرؤوس والنفوس. ولا يجرى الصراع على المكان فى فراغ، إنما تنهض به تنظيمات وحركات وجهود بشرية، كان عليها أن تحافظ على وجودها، وتجدده بمرور الوقت، فالمكان فى الواقع يسهم فى تشكيل البشر، وفى الخيال يداعب آمالهم فى الحفاظ عليه، أو توسيعه على قدر الاستطاعة، ولذا فإن الوقوف على قدرة الفلسطينيين على التنظيم والتحرك والتجدد، هى عامل مهم فى تشكيل الجغرافيا مستقبلاً.