بعد عامين من العزلة المتزايدة و«حرب بلا نهاية».. إسرائيل تغرق وسط «أزمة مُركّبة»

كتب: محمود العيسوي

بعد عامين من العزلة المتزايدة و«حرب بلا نهاية».. إسرائيل تغرق وسط «أزمة مُركّبة»

بعد عامين من العزلة المتزايدة و«حرب بلا نهاية».. إسرائيل تغرق وسط «أزمة مُركّبة»

فى لحظة فارقة من تاريخها الحديث، تقف إسرائيل اليوم على حافة منعطف تاريخى، يحدد شكل وجودها ومستقبلها السياسى، فبعد مرور عامين على أكثر الأحداث دموية فى تاريخها، تبدو الدولة العبرية غارقة فى أزمة مركبة، ليست ناتجة عن ضعف مؤسساتها، أو اهتزاز بنيانها الاقتصادى أو العسكرى، بل عن فشل قيادتها السياسية وتآكل الثقة بين الحاكم والمحكوم، وفقاً لما جاء على لسان يائير لابيد، رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، الذى كتب مقالاً نشرته مجلة «فورين أفيرز»، اعتبر فيه أن «إسرائيل ليست دولة فاشلة، بل دولة عظيمة بحكومة فاشلة»، على حد زعمه.

«فورين أفيرز»: الاحتلال يعيش «أزمة وجودية».. و«نتنياهو» يقود أكثر الحكومات تطرفاً فى تاريخ الدولة العبرية

واعتبرت المجلة الأمريكية، فى تقرير لها، أن هذا التوصيف يلخص مأزقاً وجودياً تعيشه إسرائيل اليوم، فبينما يواصل رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قيادة أكثر الحكومات تطرفاً فى تاريخ الدولة، تتسع الهوة بينه وبين أغلبية الإسرائيليين الذين باتوا، وفق «لابيد»، يتوقون إلى «طريق جديد» يعيد إليهم الإيمان بقيم الديمقراطية الليبرالية، التى تأسست عليها الدولة قبل أكثر من سبعة عقود، الأزمة إذن ليست هيكلية، كما قد يظن البعض، بل سياسية فى جوهرها، ما يجعلها فى الوقت نفسه أشد خطورة وأسهل حلاً، لأن إصلاحها، كما يرى رئيس الوزراء الأسبق، يبدأ من القمة لا من القاعدة.

وتابع التقرير أنه قبل ثلاث سنوات فقط، كانت صورة إسرائيل مختلفة تماماً، فقد كانت تُقدَّم فى العالم كنموذج للديمقراطية النشطة، والاقتصاد المعتمد على الابتكار التكنولوجى، والنظام القضائى المستقل، الذى يشكل صمام الأمان لدولة تحكمها القوانين لا الأهواء، كانت تمتلك اتفاقيات سلام راسخة مع مصر والأردن، وعلاقات دبلوماسية واقتصادية تمتد من واشنطن إلى أبوظبى، ومكانة علمية وثقافية يندر أن تضاهيها دول المنطقة، لكن كل ذلك بدأ يتآكل مع صعود حكومة نتنياهو الحالية، التى سعت إلى تقويض أسس النظام القضائى، وتقليص صلاحيات المحكمة العليا، الأمر الذى اعتبره كثيرون محاولة ممنهجة لإضعاف الديمقراطية، ثم جاء هجوم حركة «حماس» فى السابع من أكتوبر 2023، ليكشف هشاشة المنظومة الأمنية، ويفضح ما وصفه «لابيد» بـ«العجز المزدوج» للحكومة فى إدارة الأزمة الأمنية ومعالجة تداعياتها الاجتماعية والإنسانية.

وأضافت أنه فى ذلك اليوم، الذى غيّر مجرى التاريخ الإسرائيلى، فشلت الحكومة فى حماية حدودها الجنوبية، ووجدت نفسها عاجزة عن التعامل مع كارثة غير مسبوقة، ليس فقط على صعيد الأمن، بل أيضاً فى مواجهة موجة النزوح الداخلى، التى طالت مئات الآلاف من الإسرائيليين، من محيط غزة إلى الجليل الأعلى، بسبب القصف المستمر من «حزب الله»، وبينما أصيبت مؤسسات الدولة بالشلل، نهض المجتمع المدنى لسد الفراغ، تحركت شركات التكنولوجيا لدعم المتضررين، وشارك جنود الاحتياط بأعداد قياسية، وبدأ الشباب فى حملة إعلامية إلكترونية عالمية لتبرير الحرب أمام الرأى العام الدولى.

«لابيد»: قبل 3 سنوات كانت تل أبيب تمتلك اتفاقيات سلام مع القاهرة وعمان وعلاقات تمتد من واشنطن إلى أبوظبى

وكتب «لابيد» أن هذا المشهد كشف بوضوح الفارق بين «دولة تمتلك حكومة ضعيفة ومجتمعاً قوياً»، ففى الوقت الذى غرقت فيه القيادة فى فوضى القرارات، واتهامات الفشل المتبادل، أظهر المواطنون مرونة غير مسبوقة، وإصراراً على الصمود، غير أن الأزمة لم تنتهِ بانتهاء الصدمة الأولى، بل أخذت تتفاقم مع استمرار الحرب على غزة، واتساع نطاقها شمالاً وجنوباً، وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة، تُنهك الاقتصاد والمجتمع معاً، معتبراً أنه بعد عامين من الحرب، ومع بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، تقف إسرائيل عند «مفترق طرق خطير»، فإما أن تستمر فى الطريق الحالى نحو العزلة الدولية والانقسام الداخلى، أو أن تستعيد توازنها وتعيد بناء صورتها كدولة ديمقراطية حديثة.

وحذّر رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق من أن الخطر لا يقتصر على استمرار الحرب، بل يمتد إلى احتمال فرض عقوبات دولية، وتراجع الاستثمارات، وهجرة العقول الشابة، التى طالما شكلت عماد قوتها التكنولوجية، معتبراً أن إسرائيل ما زالت تملك مقومات النهوض، فمؤسساتها القضائية لا تزال متماسكة، وجيشها وأجهزتها الأمنية تدرك أن ولاءها يجب أن يكون للدولة لا للحكومة، واقتصادها، رغم الخسائر، يظل من الأكثر ديناميكية فى العالم، وشدد على أن كل ما تحتاجه البلاد هو «قيادة جديدة تعيد الثقة، وتضع حداً لحقبة الفساد والتطرف».

رؤية متكاملة لإصلاح المنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية

يرى «لابيد» أن البديل الحقيقى هو قيام حكومة وسطية، تضع رؤية متكاملة لإصلاح المنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية فى آن واحد، ويعتبر أن عمق الأزمة الحالية يمنح إسرائيل فرصة نادرة لإعادة تعريف نفسها، وبناء نظام أكثر توازناً بين الدين والدولة، بين الأمن والحرية، وبين القوة والشرعية، وتبدأ هذه الرؤية، بحسبه، بإنهاء الحرب على غزة، وتنفيذ خطة السلام التى طرحها الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطانى الأسبق، تونى بلير، وعدد من الدول العربية، وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وإنشاء منطقة عازلة تضمن حماية الحدود، ويقترح إدارة قطاع غزة خلال مرحلة انتقالية، من قبل سلطة مدنية، تشارك فيها دول عربية، إلى جانب ذراع مدنية من السلطة الفلسطينية، تتولى الإشراف على إعادة الإعمار.

وحذّر «لابيد» من أن عدم تنفيذ «خطة ترامب» سيؤدى إلى انقسام داخلى عميق، مشدداً على أن عودة المحتجزين وبدء عملية إعادة البناء، يمثلان شرطين أساسيين لاستعادة الثقة داخل المجتمع الإسرائيلى، وفى جانب آخر من رؤيته، يدعو إلى إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية على أسس أكثر شمولاً، مؤكداً أن الأمن لا يتحقق فقط بالصواريخ والعمليات النوعية، بل ببناء شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية، تعزز الردع، وتضمن العمق الاستراتيجى والشرعية الدولية، ومن هذا المنطلق، يرى ضرورة توسيع اتفاقيات «أبراهام» لتشمل السعودية وإندونيسيا، واستثمار الفرص الممكنة مع لبنان وسوريا فى مرحلة ما بعد الحرب، كما يدعو إلى استئناف المبادرات التى أطلقها عندما كان وزيراً للخارجية فى عام 2022، من خلال «منتدى النقب» الذى جمع إسرائيل مع البحرين ومصر والمغرب والإمارات والولايات المتحدة، معتبراً أن هذه المبادرات يمكن أن تشكل منصة لتكامل اقتصادى وأمنى جديد فى الشرق الأوسط، إذا أُعيد إحياؤها بعد وقف الحرب.


مواضيع متعلقة