العبد الرباني
خط تواصل عجيب كان يربط هذا الصحابى بالخالق العظيم، فقد نزل القرآن مرتين يتحدث عن مواقف له عاشها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
إنه الصحابى الجليل «ابن أم مكتوم»، كان أهل المدينة ينادونه «عبدالله»، أما أهل العراق فسموه «عمرو»، وهو نجل «قيس بن زائدة بن الأصم»، وأمه عاتكة، وهى أم مكتوم بنت عبدالله، وهو ابن خال السيدة خديجة، أم المؤمنين، رضى الله عنها، وكان ضريراً لا يُبصر.
أسلم «ابن أم مكتوم» مبكراً فى مكة، وذلك خلال الشهور الأولى التى جهر فيها النبى، صلى الله عليه وسلم، بدعوته، وبدأ فى الحوار مع صناديد مكة وكبار رجالها، وقد امتاز الرجل بشغف خاص نحو المعرفة، وكان لا يتوقف عن السؤال فى القرآن الكريم، وعن كل آية تنزل على الرسول، يريد أن يحفظها، ويدّخر معناها فى قلبه وينقش مبناها فى عقله.
وهو صاحب الواقعة الشهيرة التى نزلت فيها سورة «عبس» إكراماً له، وإشارة إلى تلك الصلة التى ربطت قلبه الطيب المؤمن بالله عز وجل. فقد كان النبى، صلى الله عليه وسلم، جالساً مع عتبة بن ربيعة ورجال من وجوه القوم فى مكة يحدّثهم بالقرآن الكريم، والقيم والأخلاقيات التى تشتمل عليها رسالة الإسلام، ثم يقول لهم: أليس حسناً أن جئت بكذا وكذا؟ فيقولون: بلى! فجاء «ابن أم مكتوم» وهو مشتغل بهم فسأله عن شىء، فأعرض عنه، فأنزل الله تعالى «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى» يعنى ابن أم مكتوم.. «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى» يعنى عتبة وأصحابه.. «وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى» يعنى ابن أم مكتوم. لقد وضع الصحابى الجليل الله تعالى فى قلبه، فكان الله معه دائماً.
وليست تلك المرة الوحيدة التى نزل فيها قرآن كريم حول موقف عاشه «ابن أم مكتوم» مع النبى، فقد تكرّر ذلك حين نزل قوله تعالى: «لَّا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».. فقال عبدالله بن أم مكتوم: أى رب أنزل عذرى.. أنزل عذرى، فأنزل الله: «غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ».. لقد كان «ابن أم مكتوم» عبداً ربانياً، فقد البصر لكنه عاش بالبصيرة، وكان يرى بعين الله، مصداقاً للحديث القدسى الذى يقول: «ما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلىّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدى يتقرّب إلىّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يُبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها، وإن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه».
أحب النبى، صلى الله عليه وسلم، «ابن أم مكتوم» وأكرمه، واستخلفه على المدينة يؤم الناس فى الصلاة حين كان يخرج للمغازاة فى سبيل الله، يقول «ابن سعد» فى طبقاته: «واستخلفه حين خرج إلى غزوة أحد، وحين خرج إلى حمراء الأسد، وإلى بنى النضير، وإلى الخندق، وإلى بنى قريظة، وفى غزوة بنى لحيان، وغزوة الغابة، وفى غزوة ذى قرد، وفى عمرة الحديبية».
ودائماً ما كان النبى يستقبل «ابن أم مكتوم» بالبشر والترحاب، ويبش لهذا العبد الربانى، الذى تمتّع بموهبة أخرى جليلة تمثّلت فى الصوت العميق الآسر الذى ينادى إلى الصلاة مع حلول وقت الصلاة، وهى الموهبة التى جعلت النبى يختاره مع كل من بلال بن رباح، وأبى محذورة، ليتولى الثلاثة رفع الأذان، فإذا غاب بلال أذن أبومحذورة، وإذا غاب أبومحذورة، أذن عمرو بن أم مكتوم.