مؤذن المسجد الحرام

«أبومحذورة» صحابى ينتمى إلى فئة الصحابة غير المعروفين، وقد ارتبط إسلامه بدراما مثيرة امتدت حلقاتها إلى أولاده وأحفاده من بعده. قيل إن اسمه «أوس»، وقيل اسمه «سمرة بن عمير»، والاسم الثانى هو الأرجح، لأن «أوس» هذا شقيقه من الأب والأم. انتمى «أبومحذورة» إلى أسرة كافرة رفضت الإيمان برسالة الإسلام لما جهر بها نبى الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يؤمن أبواه أو شقيقه، ولم يؤمن هو بالتبعية، ويذكر «ابن سعد» فى «طبقاته» أن شقيقه «أوس» خاض معركة بدر فى صفوف المشركين، وتمكن المسلمون من قتله، فمات كافراً، وقد أسلم «أبومحذورة» بعد هذه الواقعة بسنين طويلة، وتحديداً بعد فتح مكة عام 8 هجرية.

تعلم أن «بلالاً» اعتلى سطح الكعبة المشرفة حين فتح الله تعالى على المسلمين مكة، وأخذ يحطم الأصنام، ويردد: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً»، وبعدها انطلق صوته العذب بالأذان يدعو المؤمنين إلى الصلاة. كان «أبومحذورة» فى ذلك الوقت شاباً يافعاً يستمع مع مجموعة من شباب مكة إلى هذا النداء العجيب الذى يردده «بلال»، فأخذ «أبومحذورة» يردد ما يقوله «بلال» بصوت عذب ورخيم.

ويبدو أنه كان يفعل ذلك على سبيل السخرية، فانطلق رفاقه فى الترديد من ورائه ضاحكين. وقد حدث أن استمع النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى صوت «أبى محذورة»، فطلب من صحابته إحضار الشباب الذين فعلوا ذلك، فلما جاءوا إلى النبى وقف «أبومحذورة» ومن معه خائفين، وقال «أبومحذورة» للنبى: إن شئت أذّنت لك، فقال له النبى: أذّن، فانطلق صوته الآسر العميق بالتكبيرة وشهادة الحق، أعجب النبى صلى الله عليه وسلم بصوت «أبى محذورة»، وضمه إلى كوكبة المؤذنين التى كانت تشتمل فى ذلك الوقت على اسمين: الأول هو بلال بن رباح، والثانى عبدالله بن أم مكتوم.

أصبح «أبومحذورة» يؤذن بالمسجد الحرام مع بلال بن رباح، وبات موقعه كمؤذن مثل موقع «ابن أم مكتوم» مع بلال بالمدينة، يؤذن «بلال» فيقيم «أبومحذورة» الصلاة، ويؤذن «أبومحذورة» فيقيم «بلال» الصلاة وهكذا، وتواصل ذلك حتى قرر النبى، صلى الله عليه وسلم، العودة إلى المدينة المنورة، ساعتها كان «أبومحذورة» قد اتخذ قراراً أراد أن يبلغه للنبى. فقد استأذن النبى فى عدم الرحيل إلى المدينة والبقاء فى مكة، فقد كان لا يطيق البعد عن مسقط رأسه، ويريد أن يكون مؤذن البيت الحرام، فأذن له النبى فى ذلك.

وظل «أبومحذورة» يمارس هذا الشرف بقية حياة النبى وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وخلال عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، وطيلة عهد معاوية بن أبى سفيان على وجه التقريب، ودوَّى صوته العذب الرخيم بنداء الحق بالمسجد الحرام طيلة نصف قرن من الزمان، إذ شاء الله أن يتوفى سنة 59 هجرية.

وبعد وفاته آلت مهمة التأذين بالكعبة المشرفة إلى أولاده وأولاد أولاده، وظلت عائلته -من بعده- تحظى بهذا الشرف الكبير لعقود طويلة.