«جيل زد» في حضرة الأجداد بافتتاح المتحف.. عيون شابة تتأمل عظمة التاريخ
«جيل زد» في حضرة الأجداد بافتتاح المتحف.. عيون شابة تتأمل عظمة التاريخ
فى مشهد يمزج عبق التاريخ بروح العصر، يشهد المتحف المصرى الكبير حالياً ظاهرة التفاف شباب «جيل زد» حول المقتنيات الأثرية، متفاعلين مع كنوز الحضارة المصرية القديمة بطريقتهم الخاصة، فبينما تلتقط الهواتف الذكية صوراً لتماثيل عمرها آلاف السنين، تتأمل عيون شابة عظمة التاريخ بمنظور المستقبل الرقمى.
هذا الجيل، الذى وُلد بين منتصف التسعينات وأوائل الألفية الجديدة، يزور أروقة المتحف والكنوز الملكية بطريقة مختلفة، إذ لا يكتفى هؤلاء الشباب بالتأمل فحسب، بل يطرحون الأسئلة ويوثّقون لحظاتهم ويشاركونها عبر العالم الرقمى، فكيف يتفاعل هذا الجيل العصرى مع أقدم حضارة عرفها الإنسان داخل أضخم صرح ثقافى حديث فى العالم العربى؟
بينما يعرف الجيل زد بشغفه العميق بالتكنولوجيا، تكشف زياراتهم المتزايدة إلى المتحف المصرى الكبير عن جانب آخر ومثير للاهتمام فى شخصيتهم، وهو فضول معرفى عميق ورغبة واضحة فى الفهم، ولكن بلغتهم وأساليبهم الخاصة، فلم يعد المتحف مجرد مكان للصمت والتأمل التقليدى، بل تحول إلى مساحة حيوية للحوار الرقمى الذى يربط الماضى بالحاضر بأسلوب فريد.
يتعامل جيل زد مع المتحف كمنصة بصرية تنافس أجمل الوجهات العالمية، فحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعى تزخر بصورهم بجانب المومياوات أو أمام تمثال رمسيس الثانى وغيرها من المعروضات التى تعود لآلاف السنوات، لكن هذه الصور ليست مجرد لقطات عابرة، إنها وسيلة قوية للتعبير عن ارتباطهم بالهوية المصرية بطريقتهم الخاصة والمبتكرة.
وإدراكاً لهذا التغيير، بدأ المتحف المصرى الكبير بتقديم خدمات تراعى هذه التوجّهات، مثل الجولات الصوتية عبر التطبيقات، والرموز التفاعلية، التى تقدّم معلومات عن كل قطعة بأكثر من لغة، وأحياناً بأسلوب مبسّط يناسب الشباب، كما بدأت ورش العمل والفعاليات الخاصة بالشباب تستقطب آلافاً منهم، لتحول الزيارة من مجرد مرور إلى تجربة تعليمية تفاعلية.
تروى مارى جرجس، صاحبة الـ24 عاماً، لـ«الوطن»، تفاصيل جولتها داخل المتحف، إذ تشير إلى أن زيارتها جاءت بدافع شغفها الكبير بالتاريخ، خاصة الحضارة الفرعونية التى طالما قرأت عنها وشاهدت أفلاماً وثائقية عنها منذ صغرها، مضيفة: «كنت دايماً أحلم أشوف الآثار دى بعينى، مش فى صور أو فيديوهات، ولما سمعت عن افتتاح المتحف الكبير، قررت أروح وأعيش التجربة بنفسى».
«مارى» قضت ساعات طويلة داخل أروقة المتحف، توقفت طويلاً أمام كنوز الملك توت عنخ آمون، ووصفت القاعة المخصّصة له بأنها مزيج من الذهب والسحر والخيال: «انبهرت بكمية الذهب والتفاصيل الدقيقة فى كل قطعة، حسيت إنى داخل فيلم مغامرات، وطريقة العرض كانت حديثة جداً، والإضاءة خلتنى أركز فى كل تفصيلة».
ورغم طول الزيارة، أكدت صاحبة الـ24 عاماً، أنها لا تزال تشعر بأن هناك الكثير لتكتشفه فى زيارات قادمة: «أكيد نفسى أروح تانى، لأن المتحف ضخم وصعب تشوف كل حاجة فى يوم واحد، كل زيارة ممكن تكتشف فيها حاجة جديدة». وعن أبرز ما خرجت به من هذه الرحلة الثقافية، قالت بفخر: «أكتر مكسب أخدته هو إحساسى بالفخر بتاريخ بلدى، اتعلمت كتير عن حياة الفراعنة وتقنياتهم، وبالإضافة للمعرفة، كانت زيارة ممتعة ومليانة صور حلوة وذكريات مش هتتنسى».
فى محاولة لفهم الدوافع الكامنة وراء تزايد اهتمام «جيل زد»، بزيارة المتاحف والآثار المصرية، يقدّم الدكتور وليد هندى، استشارى الطب النفسى، لـ«الوطن»، رؤى تحليلية حول هذا التوجّه، إذ يرى أن هذا الاهتمام ليس مجرد صدفة أو موضة عابرة، بل هو انعكاس لحاجات نفسية عميقة تتوافق مع سمات هذا الجيل.
ويقول إن «جيل زد»، الذى نشأ فى عالم رقمى متشابك وملىء بالمحفّزات، يبحث عن التجارب الأصيلة التى تلامس الروح وتوفّر إحساساً بالعمق والتاريخ. ويضيف: «فى ظل طوفان المحتوى الرقمى السطحى، تقدم الآثار المصرية القديمة للشباب ملاذاً إلى الأصالة والقصص الإنسانية الخالدة، هذه الزيارات تمنحهم فرصة للانفصال عن الشاشات والاتصال بشىء مادى، ضخم، ويحمل قيمة تاريخية هائلة، هذا الاتصال المباشر بالماضى يُلبى حاجة نفسية للتجذير فى عالم سريع التغيير».
ويضيف «هندى» أن المتحف أصبح مساحة للتعبير عن الهوية الفردية والجماعية، وهو أمر حيوى للشباب: «عندما يلتقط الشاب صورة مع مومياء أو تمثال رمسيس الثانى، فهو لا يوثق مجرد لحظة، بل يعيد صياغة علاقته بالتاريخ والهوية المصرية، هذه الصور والتعليقات المصاحبة لها على منصات التواصل هى بمثابة تعبير ذاتى معاصر عن الانتماء إلى ثقافة غنية وعريقة، إنها طريقة ليقولوا هذا تاريخنا، ونحن فخورون به، ونحن جزء منه، ونحن نعيد تقديمه بلغة اليوم».