مدير المؤشر العالمي للفتوى: التطبيقات الإلكترونية تهدد العقيدة.. وتعيد تشكيل وعي الشباب
مدير المؤشر العالمي للفتوى: التطبيقات الإلكترونية تهدد العقيدة.. وتعيد تشكيل وعي الشباب
شارك الدكتور طارق أبو هشيمة، مدير المؤشر العالمي للفتوى بدار الإفتاء المصرية، في مؤتمر «المجتمع المدني والشباب العربي شركاء لرفع التحديات.. معًا نرفع التحديات» بجامعة الدول العربية، ممثلًا عن دار الإفتاء وبتكليف من فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.
وتحدث الدكتور طارق أبو هشيمة في كلمته عن خطر التطبيقات الإلكترونية على العقيدة الدينية والقيم الأخلاقية، مؤكدًا أن مرحلة الشباب هي أهم مراحل حياة الإنسان لأنها تقوم على البناء والعمل؛ بناء الشخصية على العلم والدين والقيم والأخلاق، والعمل على بناء الأمة ونهضتها، مشددًا على ضرورة استثمار طاقات الشباب بين العلم والعمل.
وأكد أن التطبيقات الإلكترونية أصبحت تلعب دورًا كبيرًا في حياة المجتمعات وليس الشباب فحسب، لتنوعها وتشعب استخداماتها، ورغم ما توفره من فائدة في بعض الأوقات، فإنها ليست أدوات محايدة، بل تقوم على خوارزميات منحازة، وتحولت إلى بيئات معرفية وسلوكية وتربوية تنافس مؤسسات التربية كالأسرة والمسجد والمدرسة، حتى باتت تستحوذ على النصيب الأكبر في تشكيل وعي الأطفال والشباب وضمائرهم.
وأضاف أن هذه التطبيقات، رغم تنوع أهدافها المعلنة بين الترفيه والتواصل الاجتماعي والصحة والإنتاجية والتعليم والتجارة، تحمل في طياتها أهدافًا غير معلنة، منها الاقتصادي الذي يهدف إلى جمع البيانات وتحويل المستخدم إلى منتج للبيانات لصالح المعلنين، ومنها ما هو نفسي عبر خوارزميات «الدوبامين» أو الإشباع السريع بالبحث عن المحتوى المثير، ومنها ما هو ثقافي يتمثل في خلق «فقاعة معرفية» تفرض على الشباب نمطًا معينًا للحياة، كالترويج للحرية الفردية المطلقة التي تتصادم مع الدين والأخلاق.
وأشار مدير المؤشر العالمي للفتوى إلى أن هناك جوانب في هذه التطبيقات تشكل خطرًا مباشرًا على الدين والأخلاق، منها ما يشبه أسلوب «الميكرو دوزينج»، الذي تُقدَّم من خلاله مقاطع قصيرة تحتوي شبهات تشكك في القيم الدينية والأخلاقية تحت غطاء التنوير، بجرعات صغيرة ومتكررة تحدث تأثيرًا نفسيًا على المدى البعيد، ومنها أيضًا ما يسمى بـ«تطبيع المحرمات والسلوكيات الخاطئة» عبر تكرار ظهورها في الإعلانات والألعاب والمحتوى المرئي.
وأوضح أن من أخطر ما تسببه هذه التطبيقات تفتيت الولاء للعقيدة والدولة والأسرة، وتعزيز الولاء للمؤثرين والعلامات التجارية، وهو ما يمثل خطرًا كبيرًا لأنه يرتبط بمحور الهوية ومحاولة طمسها، فيتحول الشباب إلى أفراد منسلخين عن قيمهم الأخلاقية والدينية والوطنية، مما يحول المجتمعات من صلبة قادرة على مواجهة التحديات إلى هشة سريعة الانهيار أمام أي تهديد.
كما أوضح الدكتور أبو هشيمة أن هذه التطبيقات تنتج خطابات دينية منتزعة من سياقها، تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي ولا تعبر عن صحيح الدين، مشيرًا إلى أن الخطورة الحقيقية تكمن في تشكيل الوعي الديني للشباب من خلال هذه التطبيقات التي تفتقر إلى المعرفة الكافية لإنتاج خطاب ديني رصين، وتفشل في إصدار الفتوى الصحيحة لجهلها بمراحل إنتاجها وعدم قدرتها على فهم واقع المستفتي.
وأضاف أن القيم الأخلاقية التي تقدمها هذه التطبيقات منحازة لبيئات وثقافات مغايرة لمجتمعاتنا، إذ تروّج لنمط الحرية الفردية المطلقة غير المقيدة، وهو ما لا يتفق مع ديننا وقيمنا وأعرافنا. كما أن اعتماد الأجيال الجديدة، مثل جيل «زد» و«ألفا»، على الثقافة البصرية أفقد كثيرين منهم القدرة على القراءة المتعمقة والنقدية، ودفعهم إلى الإيمان الانتقائي؛ أي اختيار ما يعجبهم والعزوف عما لا يتفق مع أهوائهم بغض النظر عن توافقه مع الدين أو اختلافه.
ولفت إلى أن البيئة الرقمية الحالية ألقت بالمسئولية على مؤسسات بناء الوعي والتنشئة لتقوم بدورها، ومن بينها دار الإفتاء المصرية التي حرصت منذ وقت مبكر على تفعيل أدواتها العلمية والبحثية لمواجهة التيارات المنحرفة التي تستهدف الشباب، عبر تقديم خطاب إفتائي رصين مرتبط بالأصول ومستوعب لقضايا العصر، وإطلاق مبادرات تستهدف بناء وعي الشباب قبل وأثناء وبعد التعرض لهذه التيارات، مؤكدًا ضرورة تكامل هذه الجهود مع مؤسسات التنشئة الأخرى لتحقيق نتائجها المرجوة.
وتأتي هذه المشاركة انطلاقًا من حرص فضيلة المفتي ودار الإفتاء المصرية على التواجد في مختلف المحافل العلمية، للتأكيد على دورها في البيان، ورسالتها في نشر الوسطية والتعامل مع القضايا المستجدة بروح واعية ومسئولة.