حكايتى مع روز اليوسف

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

عندما تسلَّمت الدعوة الكريمة من رئيس تحرير روز اليوسف المحترم الأستاذ أحمد إمبابى، لحضور احتفال مئوية روز اليوسف، دار شريط الذكريات كفيلم سينما على شاشة العقل والقلب، ولمعت المشاهد أكثر، واستدعيت أحداثاً كانت مخزونة تنتظر فقط إزالة غبار السنين عن الذاكرة المجهدة. تذكرت طالب الطب النحيف وهو يدخل من بوابة «روزا» المطلة على شارع قصر العينى، ويطلب لقاء الأستاذ لويس جريس، فيشير إليه الواقف على البوابة أن يضغط على زر الدور السابع. أجد باب رئيس تحرير مجلة صباح الخير التى كان جيلنا مدمناً على شرائها والاحتفاظ بأعدادها هى وشقيقتها الكبرى روز اليوسف مفتوحاً بدون سكرتارية. نظر إلىَّ من خلف ركام الأوراق التى يزدحم بها مكتبه، سلمته مقالى بكل «قلاطة» وثقة، وأنا أعتبر نفسى هيكل أو التابعى، أخذ منى المقال، كان بعنوان «أنا من جيل آماله مؤجَّلة». كانت صرخة جيل يتهمه الكبار بالتسرع والسربعة.

نزلت أقفز السلالم، وأحلامى ترتفع إلى عنان السماء، بعدها بأسبوع فوجئت بأن مقالى مكتوب مانشيت على الغلاف!! اشتريت الأعداد الموجودة عند بائع الصحف الموجود بجانب الكلية، فرقعت مصروف الشهر، واقترضت من أصدقائى باقى المبلغ، ومن فرط الفرحة بأن اسمى موجود فى «صباح الخير»، ذهبت إلى بيتنا فى العجوزة سيراً على الأقدام، لم أحس بتعب أو إجهاد. منذ المقابلة الثانية للأستاذ لويس جريس، هذا الرجل العظيم الذى لم يأخذ قدره كما يستحق، صرنا أصدقاء، وتبنانى، وحضر إلينا فى الصالون الثقافى الذى كنا قد شكلناه نحن مجموعة كلية الطب ومعنا بعض الأصدقاء من كليات أخرى من نفس منطقة العجوزه، وشجعنى على كتابة مسلسل لقناة «إيه آر تى» التى كان مستشارها حين استشف من مقالاتى قدرتى على كتابة الدراما، كان أباً وداعماً بالفعل، وكان إنساناً هادئ الطبع، دمث الخلق، خفيض الصوت، واسع القلب، ورحب الصدر. ذهبت إلى بيته فى المقطم آنذاك، وأخرج من مكتبته كتاب مذكرات روز اليوسف، أو ذكرياتها، قال لى: تلك هى النسخة التى أحتفظ بها من رائحة تلك السيدة العظيمة، حافظ عليها، واقرأها جيداً، فهى سيرة تصلح للدراما بامتياز.

الجميل أن لويس جريس، بذكائه وإيمانه بالشباب، جعل من مقالى معركة صحفية على أربعة أعداد، فقد ردَّ على المقال الأستاذ أنور عبدالله منتقداً، ثم رددت أنا فى العدد التالى، ثم بدأت ردود الشباب وتعليقاتهم تنهال على المجلة، فخصص لها عدداً ثالثاً وهكذا. تعرفت وقتها على قامة فنية لن أنساها ما حييت، وهى العملاقة سناء جميل، التى هى قصة منفردة تحتاج إلى مجلدات، وتشارك «روزا» فى بعض تفاصيل طفولتها المليئة بالشجن، ولى مع روز اليوسف حكايات أخرى نستكملها غداً.