عقيلة دبيشي تكتب لـ«الوطن»: جدل المواطنة والهوية الدينية في العالم العربي.. استراتيجيات للتوازن بين الانتماء الوطني والديني
عقيلة دبيشي تكتب لـ«الوطن»: جدل المواطنة والهوية الدينية في العالم العربي.. استراتيجيات للتوازن بين الانتماء الوطني والديني
المواطنة فى السياق العربى تتخذ أبعاداً مزدوجة، فهى ترتبط بحقوق الفرد وواجباته تجاه الدولة، لكنها تتقاطع أيضاً مع الانتماءات الدينية والثقافية التى تشكل جزءاً من هوية الفرد. على الرغم من أن الدساتير والقوانين فى معظم الدول العربية تؤكد على المساواة بين المواطنين من حيث الحقوق والواجبات، إلا أن الواقع العملى يُظهر تباينات واضحة فى التمتع بهذه الحقوق على أساس الانتماء الدينى أو المذهبى. على سبيل المثال فى بعض دول الخليج، مثل المملكة العربية السعودية، كانت هناك قيود تاريخية على مشاركة المرأة فى الحياة العامة، وهى مرتبطة جزئياً بتفسير دينى معين، بينما فى لبنان يعكس النظام الطائفى توزيع المناصب السياسية على أساس الانتماءات الدينية -بشكل مباشر- تأثير الهوية الدينية على حقوق المواطنة.
الهوية الدينية فى العالم العربى تمتلك جذوراً عميقة تمتد عبر قرون وتُعتبر جزءاً من النسيج الاجتماعى والثقافى والسياسى، ولا يمكن فصلها عن الحياة اليومية للأفراد. ومع ذلك فإن التحولات الحديثة فى الفكر السياسى والاجتماعى، بما فى ذلك حركات التحديث والديمقراطية وحقوق الإنسان، فرضت تحديات على الأنظمة العربية للتوازن بين الهوية الدينية وحقوق المواطنة المتساوية. فبينما حاولت بعض الدول العربية، مثل تونس والمغرب، تطوير قوانين أكثر علمانية لتعزيز المساواة بين المواطنين، استمرت دول أخرى فى استخدام الدين كأداة للشرعية السياسية والسيطرة على المجتمع، ما أدى إلى استمرار الجدل بين التعددية الدينية والمواطنة المتساوية. الجدل حول المواطنة والهوية الدينية يتجلى أيضاً فى مواقف الأقليات الدينية فى الدول العربية، حيث تواجه تحديات متعددة فيما يتعلق بحقوقها فى التوظيف والميراث والأحوال الشخصية رغم وجود نصوص قانونية تمنحها بعض الحقوق، مثل العراق، حيث تتأثر الحقوق المدنية للأقليات الدينية، مثل الأيزيديين، بسبب القوانين الطائفية ونزاعات السلطة المحلية، ما يُبرز الصراع بين حقوق المواطنة والمكونات الدينية التقليدية، بالإضافة إلى توترات بين الأغلبية على خلفية المشاركة السياسية والحقوق المدنية، وهو ما لا يزال يمثل تفاعلاً معقداً بين المواطنة والهوية الدينية.
تلعب المؤسسات التعليمية والإعلامية دوراً محورياً فى تشكيل فهم المواطنين لمفهوم المواطنة وعلاقتها بالهوية الدينية، فالمدارس غالباً ما تقدم سردية وطنية متجانسة، لكنها تواجه صعوبة فى التوازن مع الانتماءات الدينية المتنوعة للمواطنين، والإعلام أيضاً يسهم بشكل كبير فى تعزيز أو تقويض فكرة المواطنة المتساوية، إذ يمكن أن يكون أداة لتثبيت التمييز على أساس الدين، أو لتعزيز قيم الشمولية والمساواة. فى الأردن، على سبيل المثال، أسهم التعليم الرسمى فى ترسيخ قيم الانتماء الوطنى المشترك رغم التنوع الدينى والمذهبى الموجود، بينما تعرضت جهود تعزيز المواطنة المتساوية أحياناً لضغوط اجتماعية ومذهبية.
التجارب السياسية الحديثة فى العالم العربى، بما فى ذلك الثورات الشعبية والحركات المدنية، أبرزت الصراع بين المواطنة والهوية الدينية، فقد كشفت ثورات الربيع العربى فى تونس ومصر واليمن عن مطالب جماهيرية لتعزيز الحقوق المدنية والمساواة، لكنها اصطدمت أحياناً بالهويات الدينية التقليدية أو الحركات السياسية التى تستند إلى الدين. هذا الصراع يعكس الطبيعة المركبة للجدل حول المواطنة، حيث إن بناء الدولة الوطنية الحديثة يحتاج إلى تجاوز الانقسامات الدينية، لكنه يحتاج أيضاً إلى الاعتراف بالهوية الدينية والثقافية للأفراد كمكون أساسى من مكونات المجتمع.
القانون الدولى ومعايير حقوق الإنسان تضع ضغوطاً مستمرة على الأنظمة العربية لتطوير مفهوم المواطنة بما يضمن المساواة الحقيقية بين جميع المواطنين دون تمييز على أساس الدين، ومع ذلك فإن تطبيق هذه المعايير يواجه عقبات كبيرة فى بيئات سياسية تقليدية، حيث يتقاطع الدين والسياسة فى كثير من الحالات، ويصبح أى تعديل على قوانين الأحوال الشخصية أو حقوق الأقليات موضوعاً حساساً يثير ردود فعل قوية من الفاعلين الاجتماعيين والدينيين.
من الجدير بالذكر أن النقاش حول المواطنة فى العالم العربى لا ينحصر فى البعد الدينى فقط، بل يتقاطع أيضاً مع قضايا النوع الاجتماعى والعرق والانتماء الجغرافى، فالمواطنة المتساوية تتطلب سياسات شاملة تعالج أشكالاً متعددة من التمييز. كما أن التجربة الفلسطينية، على سبيل المثال، أضافت بُعداً آخر، إذ إن الاحتلال الإسرائيلى أثَّر على مفهوم المواطنة لدى الفلسطينيين الذين يواجهون تحديات مضاعفة تتعلق بالهوية والانتماء والحقوق السياسية والمدنية. وفى مصر أيضاً يظهر الجدل من خلال العلاقة بين الدولة والأقباط وما يواجهونه من تمييز فى بعض المجالات رغم وجود نصوص قانونية تؤكد المساواة.
إن جدل المواطنة والهوية الدينية يعكس التحديات العميقة لبناء دولة حديثة فى سياق متعدد الانتماءات. وتحقيق التوازن بين احترام الهوية الدينية وتعزيز المواطنة المتساوية يتطلب إصلاحات سياسية وتشريعية عميقة إلى جانب جهود تعليمية وثقافية مستمرة لترسيخ قيم المساواة. الاستفادة من التجارب الإقليمية المختلفة، مثل سياسات تونس فى المساواة بين الجنسين ونظام لبنان الطائفى والتجربة المغربية فى الحد من القوانين المقيدة، توفر دروساً عملية لصياغة سياسات أكثر شمولية. كما أن بناء فضاء عام يضمن حرية التعبير ويعزز المشاركة السياسية لجميع المكونات الدينية والاجتماعية يمكن أن يسهم فى تعزيز الاستقرار وتخفيف حدة الصراعات. وفى ظل التحولات المتسارعة تبقى هذه القضية محوراً حيوياً للنقاش الأكاديمى والسياسى والاجتماعى لأنها تمس جوهر الهوية الوطنية والاستقرار الاجتماعى وحق الأفراد فى العيش بحرية وكرامة داخل مجتمعاتهم.