سلاح «الوثائقية»
بدعوة كريمة من قناة روسيا اليوم (RT)، تشرفتُ بحضور حفل افتتاح ملتقى الأفلام الوثائقية «زمن الأبطال»، الذى تُجدد من خلاله الدولة الروسية صداقتها وتفاعلها الحضارى مع مصر.
وقد قدّم الملتقى، عبر برنامج حافل يومى 29 و30 أكتوبر الحالى، باقة متنوعة من الإنتاجات الوثائقية الروسية والأفلام المصرية، إلى جانب عدد من الأنشطة المصاحبة التى احتضنتها دار الأوبرا المصرية، ومنها برنامج تعليمى وورش عمل مخصّصة لصنّاع الأفلام، وكل المهتمين بعالم السينما الوثائقية.
تظل روسيا واحداً من أهم الشركاء الاستراتيجيين لمصر، وقد تنوعت مجالات التعاون بين البلدين بعد ثورة 30 يونيو 2013، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً.
وهذه الشراكة تستند إلى قاعدة متينة من المصالح المتبادلة، والرغبة فى الحفاظ على التوازن الدولى، بعيداً عن سياسات الهيمنة الأحادية.
وتنطلق هذه الشراكة من ثوابت الدبلوماسية المصرية، التى تقوم على تنويع الخيارات والانفتاح على مختلف القوى، مع الالتزام بالندية والاحترام المتبادل، وعدم التدخّل فى الشئون الداخلية للدول، حفاظاً على مبدأ الدولة الوطنية وسيادتها، بوصفه حجر الزاوية فى بناء النظامين الإقليمى والدولى.
وقد شهد الملتقى حضوراً لافتاً من كُتاب ومفكرين وفنانين وساسة يمثلون شرائح مختلفة من النخبة المصرية، التى لا تزال تُقدّر التواصل الثقافى، وتراه استثماراً فى علاقة استراتيجية تمتد جذورها إلى عقود طويلة من التعاون المتبادل، وحاضرها متجدّد يسعى إلى آفاق تستلهم روح العصر.
لقد عبّر الملتقى عن عمق العلاقة الثقافية بين البلدين، وهى علاقة لم تنقطع رغم تقاطعات السياسة وفوضى الصراعات الدولية، بل استمرت فى تطوير مساراتها الفنية والمعرفية. وكان حفل الافتتاح تجسيداً حيّاً لمدى التفاعل المصرى الروسى فى مجالات الفنون، خصوصاً فى السينما الوثائقية التى باتت اليوم سلاحاً مؤثراً فى تشكيل الوعى الجمعى وتوثيق سرديات الشعوب.
ولا يمكن قراءة هذا الحدث الاستثنائى من زاوية ثقافية فحسب، إذ يحمل فى طياته رسائل سياسية وإعلامية متعدّدة. فمجرد النظر إلى شعاره «زمن الأبطال» وقائمة الأفلام المختارة، يكشف عن رغبة روسية فى تقديم سرديتها الخاصة لما خاضته من حروب وصراعات مع الغرب منذ الحرب العالمية الثانية، مروراً بالحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتى، وصولاً إلى تداعيات الحرب الأوكرانية الراهنة، فى مواجهة ما تعتبره روسيا أطماعاً غربية مستمرة.
واختيار الفن الوثائقى ليكون محوراً لهذا النشاط الثقافى المشترك بين القاهرة وموسكو، يعكس إدراكاً متبادلاً لأهمية الصورة فى معارك الوعى، ودور السينما فى ترسيخ الهوية وتعزيز الانتماء الوطنى. فالوثائقى ليس مجرد فن بصرى، بل أداة دبلوماسية ناعمة تسهم فى بناء الجسور وتوسيع دوائر الفهم بين الشعوب.
وقد جسّد فيلم الافتتاح «ملائكة الرحمة» هذا التوجّه، من خلال نقله شهادات الممرضات الروسيات أثناء الحرب العالمية الثانية، وما عشنه من تجارب إنسانية مؤلمة خلال العمليات العسكرية الحالية فى أوكرانيا. كما حملت الأغنية الافتتاحية الشهيرة «كاتيوشا» رمزية بالغة، إذ مثّلت نغمة حنين ووفاء لأبطال الحرب فى الذاكرة الروسية.
وشخصياً، كنت فخوراً بتكريم صديقى العزيز الأديب والمخرج شريف سعيد، رئيس قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة، أحد أبرز أبطال المشهد الوثائقى المصرى، ومعه كتيبة من الموهوبين الذين أسهموا فى إطلاق القناة الوثائقية المصرية ووضعها فى مكانة متميزة. كما سعدتُ كثيراً بتكريم اسم الراحل الدكتور يحيى عزمى، الأستاذ بمعهد السينما، والناقد السينمائى الدكتور وليد سيف.
وكان الحضور المتميّز على خشبة المسرح للزميلة العزيزة الإعلامية منى سلمان مؤثراً، بما أضفته من بريق يليق بالحدث الثقافى المهم. أما حفاوة الاستقبال والتفاعل مع الحضور خلال الملتقى، فكانت تقودها الماهرتان يكاترينا ياكوفليفا وجيهان عبدالملك، دينامو الملتقى، اللتان نشرتا البهجة بابتسامتهما الودودة وحيويتهما الواضحة وسعادتهما بنجاح الحدث.
أما الفيلم المصرى «الألغام» من إنتاج الشركة المتحدة، فكان من أبرز عروض الملتقى، إذ يوثّق مأساة الألغام والأجسام غير المنفجرة فى مصر منذ الحرب العالمية الثانية، وما خلّفته من خسائر بشرية وتعطيل لخطط التنمية على مدى عقود، خاصة فى المناطق الممتدة من الساحل الشمالى حتى الحدود الغربية.
لقد أكد ملتقى «زمن الأبطال» أن السينما الوثائقية ليست ترفاً ثقافياً، بل سلاح ناعم يعيد صياغة الوعى ويكتب التاريخ من زوايا مختلفة، ويذكّرنا بأن الصورة قد تكون أبلغ من الخطاب السياسى فى الدفاع عن الأوطان.