«الحضارة المصرية» في أعمال «هوليوود».. إنتاجات ضخمة ومغالطات تاريخية

كتب: نورهان نصر الله

«الحضارة المصرية» في أعمال «هوليوود».. إنتاجات ضخمة ومغالطات تاريخية

«الحضارة المصرية» في أعمال «هوليوود».. إنتاجات ضخمة ومغالطات تاريخية

هالة من السحر والغموض ممزوجة بالعظمة غلّفت الحضارة المصرية القديمة، التى تعتبر واحدة من أقدم وأعرق الحضارات فى التاريخ الإنسانى على الإطلاق، نظراً لما تحمله من أسرار لم يتم اكتشافها حتى يومنا هذا. ولم تستطع السينما العالمية وفى مقدمتها هوليوود، أن تظل بعيدة عن ما تحمله الحضارة الفرعونية من هالة سحرية وقوة درامية يمكن توظيفها فى سياقات متنوعة، من الرعب والمغامرة وحتى الأفلام التاريخية.

فعلى مدار تاريخها أنتجت هوليوود العديد من الأفلام عن مصر القديمة، بدءاً من الملاحم مثل The Ten Commandments وCleopatra، وصولاً إلى أفلام المغامرات مثل Raiders of the Lost Ark من سلسلة أفلام Indiana Jones الشهيرة بالإضافة إلى The Mummy بأجزائه الثلاثة، وتطرقت تلك الأفلام مع اختلافها إلى جوانب متعددة من الحضارة المصرية القديمة، سواء الشخصيات التاريخية أو القصص الأسطورية حول لعنة الفراعنة والمغامرات الأثرية. ظهر اهتمام هوليوود والسينما العالمية بالحضارة المصرية القديمة مع الاكتشافات الأثرية الكبرى فى بدايات القرن العشرين، خاصة اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، وهو ما أثار خيال الكتاب والمخرجين وجعل مصر القديمة رمزاً للإثارة والغموض، وبالرغم من اهتمام صناع السينما بالحضارة الفرعونية إلا أن تناولها فى بعض الأعمال كان يفتقر إلى الدقة بشكل كبير دون الاعتماد على مصادر تاريخية موثقة، حيث تعاملوا معها باعتبارها مصدراً للخيال والتشويق أكثر من كونها تاريخاً عريقاً يستحق التوثيق.

ويعتبر فيلم The Loves of Pharaoh من أقدم أعمال السينما العالمية التى تطرقت إلى الحضارة الفرعونية، حيث أخرج الألمانى إرنست لوبيتش الفيلم الملحمى الصامت فى عام 1922، وتم ترميم الفيلم وإعادة بنائه رقمياً، وهو الأمر الذى استغرق 5 سنوات كاملة، ليعرض لأول مرة بعد عقود من إنتاجه فى عام 2011، بينما قدمت هوليوود تجربتها الأشهر من خلال فيلم The Ten Commandments إنتاج عام 1956 الذى تناول قصة نبى الله موسى مع فرعون حاكم مصر، من إنتاج وإخراج سيسيل ب. ديميل، الذى كان إعادة تقديم للفيلم الصامت الذى قدمه بنفس الاسم عام 1923.

وكان الفيلم يعتبر من أضخم الإنتاجات فى ذلك الوقت حيث شارك فى إعداده أربعة كتاب سيناريو، وثلاثة مديرين فنيين، وخمسة مصممى أزياء، وتم فى مواقع تصوير فى سيناء، متضمناً أحد أكبر الديكورات الخارجية التى صممت لفيلم سينمائى على الإطلاق آنذاك، وتم ترشيحه لـ7 جوائز أوسكار، وحقق إيرادات تقارب 122 مليون دولار فى شباك التذاكر عند إصداره.

وفى عام 1963 قدمت هوليوود الفيلم الأشهر والأطول عن أحد رموز الحضارة المصرية القديمة بتوقيع المخرج جوزيف مانكفيتش، وهو فيلم Cleopatra بطولة النجمة إليزابيث تايلور التى حصلت عنه على أجر قياسى بلغ مليون دولار، وهو الفيلم الذى يتناول سيرة الملكة العظيمة كيلوباترا وتبلغ مدته حوالى 4 ساعات، بينما بلغت تكلفة إنتاجه 44 مليون دولار، وترشح لـ7 جوائز أوسكار حصل منها على 4 جوائز من بينها جائزة أوسكار أفضل فيلم.

وبعد 3 سنوات على إنتاج فيلم «كيلوباترا»، كان الجمهور فى العالم على موعد مع فيلم بولندى بعنوان Pharaoh أو «الفرعون» من إخراج جيرزى كاواليروفيتش، وهو مقتبس من رواية تحمل نفس الاسم للكاتب البولندى بوليسلاف بروس، ويتناول سيرة الملك الشاب رمسيس الثالث عشر وصراعه على السلطة، وهى قصة غير حقيقية من خيال مؤلف الرواية، ولكن تدور أحداثها فى مصر القديمة، وحرص صناع الفيلم على أن تخرج كل التفاصيل الخاصة بالأزياء والديكور فى تلك الفترة دقيقة للغاية، حيث استعانوا بعالم مصريات يدعى كازيميرز ميخالوفسكى، ليكون مستشاراً فنياً للفيلم وحرص على دقة التفاصيل، بالإضافة إلى شادى عبدالسلام الذى كان مستشاراً تاريخياً ومصمم ديكور وملابس وإكسسوارات للعمل.

ومنذ الثمانينات حتى بداية الألفية الجديدة بدأت هوليوود تعتمد على منحنى مختلف فى تقديم الحضارة الفرعونية فى أعمالها، حيث انتقل الاهتمام من التاريخ والدين إلى الترفيه البصرى والحركة، خاصة مع تطور المؤثرات البصرية وتوسع السينما التجارية، فأصبحت الحضارة المصرية ساحة مفتوحة لأفلام الحركة والرعب من خلال حبكات الأفلام التى تقوم على الرحلات الاستكشافية للكنوز والتى تقدم مصر القديمة كمستودع للأسرار الخارقة، وكان من أبرز النماذج فيلم الرعب The Awakening الذى تدور أحداثه حول عالم آثار تستحوذ ملكة مصرية قديمة على ابنته، وفيلم المغامرات The Raiders of the Lost Ark بطولة هاريسون فورد الذى به العديد من المغالطات التاريخية، بالإضافة إلى فيلم The Mummy الذى يعتبر من أشهر الأعمال التى تناولت الحضارة الفرعونية فى السينما الغربية، منذ النسخة الكلاسيكية إلى إعادة الإنتاج فى 1999 وما بعدها من أجزاء، حيث تم من خلال الفيلم تقديم المومياوات المصرية كقوة خارقة تعود من القبور بسبب ممارسة طقوس سحرية محظورة.

وفى الفترة من 2010 بدأت تذهب هوليوود إلى بُعد جديد فى تناولها للحضارة المصرية القديمة فى أعمالها معتمدة على الخيال الأسطورى لتكون أقرب إلى أفلام الأبطال الخارقين التى سيطرت على شباك التذاكر، منها أفلام مثل Exodus: Gods and Kings للمخرج ريدلى سكوت، وقد أشاد النقاد بالمؤثرات البصرية وأداء الممثلين، لكنهم انتقدوا وتيرة وسيناريو الفيلم، وافتقاره إلى الدقة حيث تم منعه فى عدد من الدول العربية بسبب وجود أخطاء تاريخية فى الفيلم، وتتسع القائمة لتتضمن فيلم Gods of Egypt بطولة جيرارد بتلر وتشادويك بوسمان، الذى لم يحقق نجاحاً كبيراً فى شباك التذاكر وتلقى مراجعات سلبية، محققاً إيرادات إجمالية بلغت 150.7 مليون دولار مقابل ميزانية قدرها 140 مليون دولار، مما يكشف أن مسار تقديم هوليوود للحضارة المصرية القديمة هو مسار متغير يخضع لمصالح السوق الثقافية والتقنية.


مواضيع متعلقة