«حضارة لا تموت».. تحفة معمارية تحكي أمجاد 7 آلاف عام

كتب: عبده أبوغنيمة

«حضارة لا تموت».. تحفة معمارية تحكي أمجاد 7 آلاف عام

«حضارة لا تموت».. تحفة معمارية تحكي أمجاد 7 آلاف عام

تمثال «رمسيس الثانى» يرحب بضيوفه فى عاصمة الحضارة.. والمسلة المعلقة مشهد فريد يوحِّد الحاضر بعبقرية المصرى القديم

أجرت «الوطن» معايشة ميدانية داخل المتحف، قبل افتتاحه الرسمى فى اليوم الأول من شهر نوفمبر المقبل، لرصد تفاصيل التجربة، منذ لحظة الدخول وحتى مغادرة الزائر القاعات المليئة بتفاصيل الحضارة المصرية.

من البوابة الرئيسية يبدأ المشهد، ساحة واسعة ونظام محكم، على الجانب الأيمن تنتظم البوابات الإلكترونية، بينما خُصصت على اليسار مساحة لركن السيارات تسع المئات منها، فى منتصف الساحة، يقف موظفو الاستقبال بابتسامة هادئة، يوجهون الزوار إلى شبابيك حجز التذاكر، ثمانية شبابيك متجاورة، تعمل جميعها بنظام الدفع الإلكترونى فقط، فلا نقود هنا ولا زحام، لا تستغرق عملية الحجز أكثر من دقيقة، يسأل الموظف الزائر إن كان يرغب فى الاستعانة بمرشد سياحى يرافقه، أو يفضّل التجول بمفرده، ليتم بعدها إصدار التذكرة وتبدأ الرحلة.

يتجه الزائر بعد ذلك إلى طريقين متوازيين، أحدهما مخصص للمشاة، والآخر لعربات الجولف، التى تقل كبار السن والعائلات، الطريق صاعد قليلاً، يمر عبر ممرات مُشجّرة تقود إلى الساحة الخارجية للمتحف، حيث تقف المسلة المعلقة، أول مسلة من نوعها فى العالم، إذ تعود إلى أكثر من 3500 عام، معلّقة فوق حفرة تسمح للزائرين بمشاهدة نقوشها من أسفلها، فى مشهد فريد يوحِّد الحاضر بعبقرية المصرى القديم.

خطوات قليلة تقود إلى البهو العظيم، القلب النابض للمتحف، حيث يستقبل تمثال الملك رمسيس الثانى الزوار بملامح ثابتة، تنبض بالقوة والهيبة، يقف التمثال، الذى يبلغ ارتفاعه 11 متراً، ويزن نحو 83 طناً، فى موقعه الجديد، بعد رحلة طويلة من ميدان رمسيس بوسط القاهرة، وكأنه يرحّب بضيوفه فى عاصمة الحضارة، وبالقرب من التمثال، توجد ماكينة تصوير إلكترونية، تتيح للزائر التقاط صورة تذكارية مع الملك الفرعونى فى الخلفية، تصل إلى بريده الإلكترونى خلال لحظات، وعلى مقربة من البهو، يظهر عمود الملك «مرن بتاح»، ابن رمسيس الثانى، الذى تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أنه «فرعون موسى»، فى حين يقف تمثالان ضخمان من «العصر البطلمى»، تم انتشالهما من أعماق البحر فى الإسكندرية، يذكّران الزائر بأن مصر، كما كانت دوماً، حضارة لا تنتهى عند ضفة واحدة.

وعلى الجانب الآخر، تمتد المنطقة التجارية المخصصة للمشغولات اليدوية والمتاجر العالمية والكافيتريات، بحسب الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذى لهيئة المتحف المصرى الكبير، الذى أكد لـ«الوطن» أنه يمكن للزائر أن يستريح قليلاً قبل متابعة جولته، فى مزيج متوازن بين عبق التاريخ وحداثة الخدمات، ومن هناك يبدأ الطريق نحو الدرج العظيم، أحد أكثر أجزاء المتحف إبهاراً، تصطف على جانبيه نحو 59 قطعة أثرية، تمثل ملوك العصور المختلفة، وآلهة المصريين القدماء، تحكى بترتيب بصرى متدرّج قصة تطور العقيدة والسلطة والفن، وعند نهاية الدرج، يصل الزائر إلى شرفة زجاجية ضخمة تطل مباشرة على الأهرامات الثلاثة، المشهد مهيب، يُشعرك بأن المتحف الكبير ليس مجرد مبنى للعرض، بل قطعة متصلة من الهرم الرابع، كما يصفه كثيرون من الزائرين، فالتصميم المعمارى القائم على المثلثات يُوحّد الرؤية البصرية بين المتحف وهضبة الجيزة.

من الشرفة يمكن للزائر الدخول إلى القاعات الرئيسية الـ14، والتى تتوزع فيها مقتنيات من آلاف السنين، منها 12 قاعة مفتوحة بالفعل، فيما لا تزال قاعتا الملك توت عنخ آمون قيد التجهيز استعداداً لافتتاحهما فى الأول من نوفمبر، والقاعات مرتبة زمنياً، تبدأ بعصر ما قبل الأسرات، مروراً بالدولة القديمة والوسطى والحديثة، وصولاً إلى العصرين اليونانى والرومانى، كل قطعة فى مكانها وفق سيناريو عرض علمى دقيق، يعيد للزائر تسلسل الحضارة المصرية فى خط واحد متصل.

ومن أبرز المشاهد التى تستحوذ على انتباه الزائر قطعة صغيرة، لكنها ذات قيمة علمية هائلة، وهى عبارة عن «فأس حجرية» اكتُشفت فى منطقة «العباسية»، وتُعد أقدم فأس فى التاريخ، عمرها يناهز 700 ألف سنة، شاهدة على أولى محاولات الإنسان للتصنيع والابتكار على أرض مصر، وفى كل قاعة يقف موظفون مؤهلون يتحدثون عدة لغات، يجيبون عن استفسارات الزائرين بابتسامة وهدوء، ويوجهونهم نحو القطع الأهم، أو توضيح المناطق المغلقة مؤقتاً، بالإضافة إلى حرص إدارة المتحف على نشر الثقافة الأثرية بأسلوب بسيط، فيشرح الموظفون للزوار معنى سيناريو العرض، وكيفية الحفاظ على القطع دون لمسها، ما يضفى على الزيارة طابعاً تعليمياً بقدر ما هو سياحى.

وبعد نحو ساعتين من التجوّل بين أروقة المتحف، انتقلت «الوطن» إلى قلب العمل العلمى الدقيق فى مركز الترميم الدولى، الذى يُعد الأكبر من نوعه فى العالم، والمقام على مساحة 32 ألف متر مربع، ويضم ستة معامل رئيسية مخصصة لترميم أنواع مختلفة من الآثار، وهى الأحجار، والأخشاب، والآثار العضوية وغير العضوية، والبقايا الآدمية، والنقوش الجدارية.

«كمال»: كل قطعة تعامل ككائن حى له تاريخه وخصوصيته.. والهدف ليس تجميل الأثر بل الحفاظ على أصالته

الدكتور حسين كمال، مدير عام المركز، شرح خطوات رحلة الأثر داخل معامل الترميم، منذ وصوله وحتى عرضه فى الفاترينة النهائية، إذ تبدأ العملية من منطقة تجهيز الآثار، حيث تُستقبل القطع القادمة من مختلف المواقع والمتاحف فى مواد تغليف آمنة، ثم تفك وتفحص بدقة، ويتم التأكد من خلوها من أى إصابات حشرية أو بيولوجية، وإن وجدت إصابات، تحجز القطع فى منطقة مخصصة للحجر الأثرى حتى تعالج بالكامل، وبعد الفحص، تنقل القطع إلى المعامل وفقاً لتقرير حالتها، وتُعطى الأولوية لتلك التى تحتاج إلى علاج عاجل، فى حال ازدحام المعامل، تحفظ بعض القطع فى المخازن الأثرية الآمنة، حتى يحين دورها.

داخل المعمل، يضع فريق الترميم خطة علاج تفصيلية تُناقش وتُعتمد قبل التنفيذ، تحدد المدة الزمنية والمواد المستخدمة والخطوات الدقيقة، يتم توثيق كل مرحلة بالصور والملاحظات، بحيث تصبح القطعة مرجعاً علمياً لأى باحث مستقبلاً. ويؤكد «كمال» أن مدرسة الترميم المصرية باتت نموذجاً عالمياً يحترم المواثيق الدولية، لكنه يحتفظ بخصوصيته فى التعامل مع الآثار المصرية، مشيراً إلى أن كل قطعة تعامل ككائن حى له تاريخه وخصوصيته، وشدد على أن الهدف ليس تجميل الأثر، بل الحفاظ على أصالته.


مواضيع متعلقة