«حرام على الموظف».. المفتي يحذر من التربح الشخصي والرشاوى في الوظائف

كتب: أحمد البهنساوى

«حرام على الموظف».. المفتي يحذر من التربح الشخصي والرشاوى في الوظائف

«حرام على الموظف».. المفتي يحذر من التربح الشخصي والرشاوى في الوظائف

حذر الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، من تكسب العامل بصورة شخصية من وظيفته واصفا هذا العمل بأنه رشوة محرمة، وجاء ذلك ردا على سؤال تلقته الدار وأعادت نشره على صفحتها الرئيسية بموقعها الرسمي، جاء فيه «ما حكم تكسب العامل بصورة شخصية من وظيفته؟ فهناك رجل يعمل موظفًا في إحدى الجهات الخدميَّة، ويتقاضى منها راتبًا عن عمله واحتباسه لصالح تلك الجهة وقتًا ثابتًا يوميًّا، إلا أنه يتطلَّع لزيادة دخله وكسبه، ويعرض عليه بعض مَن يقدِّم لهم الخدمة أموالًا بصورة شخصية نظير أن يقدِّم لهم مزيد اهتمامٍ، أو سرعةٍ في إنجاز المهام، دونًا عن غيرهم، فهل يجوز له أخذ تلك الأموال شرعًا؟».

تكسب العامل بصورة شخصية من وظيفته

وقال الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، إنه يَحرُم على الموظف المذكور أخذ المال المعروض عليه بصورة شخصية ممن يقدم لهم الخدمات داخل إطار وظيفته، باعتباره رشوة مُحرَّمة، وعليه تحرِّي الكسب الحلال، والصبر على تحصيله.

فضل السعي في طلب الرزق

وفي شرح الفتوى قال المفتي عبر موقع دار الإفتاء إنه قد حثَّ الشرع الشريف على السعي والاكتساب، إلا أنه حدَّ ذلك بالعمل الحلال المستطاب، قال الله تعالى: ﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [النساء: 29]، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اتَّقُوا اللهَ وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحمِلكُمُ استِبطَاءُ الرِّزقِ عَلَى أَن تَطلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ مَا عِندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» أخرجه الأئمة: ابن أبي شيبة، والحاكم، والبَيهَقِي في شعب الإيمان.

العلاقة بين الموظف والجهة التي يعمل فيها

وقال مفتي الجمهورية: من المقرر شرعًا أن العلاقة بين الموظف والجهة التي يعمل فيها هي علاقة إجارةٍ معلومٌ فيها ما يكلف به الموظف مِن المهام والاحتباس لصالح أدائها، وما يتقاضاه على ذلك مِن أجر؛ إذ الإجارة تعرف بأنها: "عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ قابلة للبَذل والإباحة بعِوَضٍ مَعلوم"، كما في "مغني المحتاج" للإمام الخطيب الشِّربِينِي، والإجارة منها ما يكون خاصًّا يُمنع فيه الأجير من الاشتغال بعملٍ آخر في أثناء الوقت المحتبس فيه لعمله -كما هي مسألتنا-، ومنها ما يكون مشتركًا لا يشترط فيه ذلك.

وواصل: لمَّا كان الموظف الذي يعمل لصالح جهة معينة هو عبارة عن أجير خاص، فإنه يتحتَّم عليه الالتزام بالقوانين واللوائح والضوابط التي تحددها له تلك الجهة، تبعًا للعقد المبرم بينه وبينها -خاصة كانت أو عامة-، وما تضمنه ذلك العقد مِن شروطٍ، فلا يجوز له تبعًا لذلك أن يتكسب بأي شكلٍ أو وسيلةٍ من غير جهة عمله ما دام في وقت العمل المتعاقد عليه وموجودًا داخل المنشأة الخاصة بجهة عمله؛ إذ الشأن في العقود أنَّها حاكمة وملزمة لأصحابها متى ما صدر منهم الإيجاب والقبول عليها؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: 1]، وعن عمرو بن عَوف المُزَنِي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «المُسلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِم، إِلا شَرطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَو أَحَلَّ حَرَامًا» أخرجه الإمام التِّرمِذِي وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وأكد الدكتور نظير عياد أن قيام الموظف بالعمل المنوط به بموجب العقد المبرم بينه وبين الجهة التي يعمل فيها، الذي يتقاضى عليه الأجر دون أخذ مزيد أموال عليه من العملاء والمستفيدين، هو مما يجب عليه في الشرع الشريف تبعًا للعقد، ومخالفته وأخذه للمال مِن غير وجه حقٍّ يعد أمرًا مُحرَّمًا شرعًا.

كما أنَّ أخذ الموظف للأموال من بعض الحاصلين على ما يُقدمه من خدمات في جهة عمله بصورةٍ شخصية جرَّاء عمله والقيام بمزيد اهتمام أو تخليص إجراءات لهم داخل تلك الجهة -تَعظُم حُرمته بدخوله في دائرة الرِّشوة المُحرَّمة الملعون صاحبها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ» أخرجه الأئمة: أحمد، والتِّرمِذِي، والحاكم، وغيرهم.

وانشغال الموظف بتخليص مصلحة خاصة لبعض العملاء خارج سيرورة عمله المعتادة أو منحه اهتمامًا زائدًا عن غيره في مقابل ما يأخذه من الأموال -لا يخرج عن دائرة إبطال حقوق العملاء الآخرين بتأخيرهم، وتمشية باطلٍ بالعمل على نحوٍ يخالف سيرورة العمل الثابتة المنصوص عليها في لوائح جهة العمل.

وقد نص الفقهاء على معنى الرشوة المُحرَّمة وما تفترق به عن الهدايا المباحة من صورٍ ومعانٍ: والأصل في الأعمال الخدميَّة أن تؤدَّى لأصحابها من غير مقابلٍ زائدٍ عما تنص عليه اللوائح الخاصة بتقديم تلك الخدمة، ما دام المسؤول عنها مُوظفًا يتقاضى راتبًا على ما يقدمه من الأعمال والخدمات، فقد عد القانون المصري أخذ الموظف المالَ بصورةٍ شخصية ممن يقدم له الخدمات العامَّة نوعًا من الرشوةِ المحرمة، وعاقب على ذلك، حيث جاء في المادة 106 مكرر من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وتعديلاته، ما نصه: كل من طلب لنفسه، أو لغيره، أو قَبِل، أو أخذ وعدًا، أو عطية لاستعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم للحصول أو لمحاولة الحصول من أية سلطة عامة على أعمال، أو أوامر، أو أحكام، أو قرارات، أو نياشين، أو التزام، أو ترخيص، أو اتفاق توريد، أو مقاولة، أو على وظيفة، أو خدمة، أو أية مزية من أي نوع -يعد في حكم المرتشي، ويعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 104 من هذا القانون إن كان موظفًا عموميًّا، والله سبحانه وتعالى أعلم.