من «إيمحوتب» إلى مجدي يعقوب.. قصة الطبيب باني الهرم الأول في العالم: حضارة مستمرة

كتب: أمنية سعيد

من «إيمحوتب» إلى مجدي يعقوب.. قصة الطبيب باني الهرم الأول في العالم: حضارة مستمرة

من «إيمحوتب» إلى مجدي يعقوب.. قصة الطبيب باني الهرم الأول في العالم: حضارة مستمرة

يمثل اسم إيمحوتب نقطة البداية الحقيقية للحضارة المصرية القديمة، فهو الطبيب والمهندس المعماري والأديب الذي يُعتبر مؤسسها الفعلي، إذ يتميز إيمحوتب بأنه أول من تعامل مع مادة الحجر في تاريخ البناء، ليُشيد به أول أهرامات مصر والعالم، وهو هرم سقارة المدرج، وقد عمل إيمحوتب وزيرًا ومستشارًا للملك زوسر، مؤسس الأسرة الثالثة، وذلك في فترة مبكرة من التاريخ المصري القديم الذي امتد حوالي ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، مُقسمًا إلى أربع مراحل رئيسية: الدولة القديمة، والوسطى، والحديثة، والدولة المتأخرة التي انتهت بقدوم الإسكندر الأكبر وبداية العصر اليوناني الروماني، ومن المفارقات التاريخية أن منطقة سقارة نفسها تمثل سجلًا حيًا لكل هذه المراحل، حيث عُثر في رمالها على كنوز تعود إلى كل فترة من فترات التاريخ المصري القديم وحتى العصر اليوناني الروماني، ومن إيمحوتب الجد إلى مجدي يعقوب الحفيد، يتصل الماضي بالحاضر ويشير بيديه إلى المستقبل.

براعة الهندسة وشغف الطب

على الرغم من عبقرية إيمحوتب الهندسية وبراعته التي يشهد عليها صرح هرم سقارة المدرج، إلا أن دور الطبيب كان أحب الأدوار إلى قلبه، بحسب ما ذكرت مرفت عبد الناصر في كتابها «إيمحوتب الطبيب الذي بنى أول الأهرام»، ويُعتبر إيمحوتب رائد علم الطب، بل إن بعض الكتب تصفه بأنه أول من اخترع الطب كعلم ومهنة، ولذلك فهو عميد الطب الأول في العالم أجمع، ورأى إيمحوتب أن جوهر دور الطبيب هو أن يطبب أو يطبطب على مرضاه، فيخفف عنهم آلامهم ويزيل عذابهم، وأن دوره يتمثل في إعطاء السكينة لكل من اعتصر القلق قلبه، وقد أمضى عالم المصريات البريطاني «إيمري» سبع سنوات في محاولات مضنية للبحث عن مقبرة هذا الحكيم العظيم في سقارة، إلا أنه لم ينجح في العثور عليها.

كما كان هرم سقارة هو أول بيوت الموت الأبدية (بير-جت) الذي اتخذ شكل أول هرم يُبنى من الحجر ليتحدى الزمن، كانت منطقة سقارة أيضًا هي المكان الذي شهد إنشاء أول «بيت حياة» (بير-عنخ)، فهذا القصر الثقافي كان يحوي مكتبة البرديات الكبرى ويعيش فيه الكهنة والأدباء والمفكرون والأطباء، ولذلك يُعتبر بيت الحياة أول معهد طبي يتلقى فيه الطبيب تعليمه وتدريبه، وكان الطبيب نفسه يُسمى في كثير من الأحيان «كاتب بيت الحياة»، ويتمتع بمكانة كبيرة نتيجة لعلمه ومهاراته، كما يتضح في النصوص التي يخاطب فيها المصري القديم كاتب «بيت الحياة» بتبجيل.

إمحوتب

وتؤكد الطبيبة مرفت عبد الناصر في كتابها، على أن إيمحوتب هو أول من وضع المبادئ والقيم الأخلاقية للأطباء، متقدمًا بذلك على «قسم أبقراط» بقرون طويلة، وتشير إلى أن إيمحوتب أوصى بمبادئ أخلاقية سامية، منها: «لا تسخر من الإنسان الذي به إعاقة، ولا تسخر من الذي فقد بصره، ولا تضحك من الرجل الذي عقله في يد الله»، موضحة أن الأخير هو وصفه للرجل المريض نفسيًا، وترى الطبيبة المصرية أنّ إيمحوتب هو أبو الطب والأطباء في مصر القديمة، بينما أبقراط هو أبو الطب عند الإغريق، الذين عرفوا قيمة إيمحوتب بعد غزوهم لمصر في القرن الرابع قبل الميلاد، حتى أنهم رفعوا مكانته لدرجة الإله، حيث وصفوه بأنه ابن للإله «بتاح»، وجعلوا اسمه مرادفًا لإله الطب الإغريقي.

صاحب «الأصابع الذهبية» ومخفف آلام المصريين

ويكتسب اسم إيمحوتب في اللغة المصرية القديمة معنى دالاً، حيث يعني بحسب الكتاب «من يأتي في سلام»، وتشير النقوش القديمة إلى مكانته الرفيعة، حيث يطلق عليه نقش على جدار في معبد إدفو لقب «مخفف آلام المصريين» و أنه «ذو الأصابع الذهبية» كما تصفه نقوش أخرى في معابد حتشبسوت وإسنا وفيله -التي تقع في جنوب البلاد- بأنه الذي يشفي المريض بمهاراته ويهب الصحة من جديد، وتذهب الطبيبة المصرية في كتابها إلى أن إيمحوتب هو المعماري الأول؛ إذ بنى أول هرم في العالم قبل نحو 4650 عامًا، وأدخل عناصر جديدة في فن العمارة باستخدام مواد عضوية مثل جذوع النخيل وحزم نبات البردي، وتضيف أن إيمحوتب هو المؤسس الحقيقي للحضارة المصرية القديمة لأنه تعامل لأول مرة في التاريخ مع الحجر فبنى أول أهراماته، وهو هرم سقارة المدرج المنسوب إلى الملك زوسر، أبرز حكام الأسرة الفرعونية الثالثة، ويُكتسب هرم سقارة المدرج أهمية تاريخية خاصة لأنه يُعد أول هرم كامل بناه المصري القديم من الحجر الجيري قبل نحو 4650 عامًا.

وكان حديث السير مجدي يعقوب عن الطب في مصر القديمة، أعاد تسليط الضوء على عبقرية الطبيب المصري القديم، الذي وضع الأسس الأولى للطب العلمي القائم على الملاحظة والتجربة، وسبق العالم بآلاف السنين في مجالات التشريح والجراحة والعلاج، وذلك خلال مشاركته في احتفالية المتحف المصري الكبير.