الأدب وعلم النفس (1)

يطرح المفكر والناقد الكبير الدكتور شاكر عبدالحميد، الذى غادر دنيانا أيام جائحة كورونا، أفكاراً عميقة، ويلهب وجداناً عامراً بمشاعر فياضة، حين يكتب فى نقد الشعر والقصة والرواية، أو حتى فى كتبه النظرية والتطبيقية التى تتوالى عن مختلف الفنون، وخصائص الإبداع وأحواله، فيصنع فى الغالب نصاً موازياً للنصوص السردية أو الشعرية التى ينقدها. أما إذا كان حديثه فى المسائل العلمية فإنه يحرص على الدقة العلمية وجمال الأسلوب فى آن، فتجد فيما يكبته الإحاطة والبساطة والعمق والسلاسة والإفادة.

هكذا تلقيت كتابه «مدخل إلى علم نفس الأدب: نظريات وتطبيقات» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، والذى أعادنى به إلى سابق عهدى بفضل علم النفس على سائر العلوم الإنسانية، فقد نقل علم السياسة من مجال «ما ينبغى أن يكون» أو «الينبغيات» حين كان ملتصقاً بعلم القانون، إلى أرض الواقع، وحركة الحياة المتلاطمة، ومعه لم تعد العلوم تنظر إلى الظواهر الإنسانية من خارجها، إنما تعمقت فى دواخلها وبواطنها لارتباطها بما يدور فى نفس الإنسان من مدارك وتصورات وشعور، فضلاً عن أنه منحنا بتفاعله مع علوم أخرى مسارات علمية بينية أو علوماً فرعية عابرة للأنواع مثل «علم النفس السياسى» و«علم النفس الاجتماعى» و«علم النفس العسكرى».. إلخ.

كما ساعد علم النفس على دراسة العلوم بطريقة كمية إلى جانب الطريقة الكيفية، وزاد من عمق التحليل، وعزز دور الاستبطان والحدس فى مسار البرهان، وجعلنا نرى بطريقة أفضل قضية التحيز والموضوعية، ونفسية المتلقى أو القارئ، علاوة على طقوس الكتابة وإجراءاتها عند الأدباء والمفكرين والباحثين وكتاب الصحافة.

وحين رأيت عنوان كتاب الدكتور شاكر جاء إلى ذهنى ما أعرفه عن الكتب التى تتصدى لشرح أو تبيان مدخل فى علم ما، إذ تتفاوت بين علم استوى على سوقه، فيكون المدخل تلخيصاً للنظريات والمقولات والمفاهيم والتعريفات والدراسات السابقة فى هذا العلم. أما لو كان هذا العلم يتلمس خطاه نحو الاستواء، فإن المدخل يكون عبارة عن اقتراب من دراسة مفردات أو تفاصيل هذا العلم، فإن كان فى مرحلة جنينية، يكون المدخل عبارة عن دراسات أولية، تطرح الأسئلة، وتطلق الافتراضات، وتعين أدوات البحث ومناهجه فى هذا العلم.

وبالطبع فإن علم النفس قد استوى على سوقه، بعد أن انتقل من مرحلة التأمل والفراسة، إلى التحليل العميق فى إهاب محاولات تعديل السلوك والطب النفسى، لكن شاكر عبدالحميد هنا لم يكتب كتاباً فى علم النفس إنما فى «علم بينى» بين هذا وبين النقد الأدبى، وهو علم لا يزال يشق طريقه بصعوبة، لاسيما فى بلادنا التى يجفل فيها الأدباء، غالباً، ممن يحلل شخصياتهم ككتاب أو مبدعين، أو من يقرأ نصوصهم من زاوية نفسية، لأنهم يخشون، وفق الثقافة المعتادة، من «التلصص» عليهم، لاسيما أن بعض النقاد، من قليلى الخبرة، دأبوا على توهم أن كل كاتب يكتب نفسه، وأن شخصياته، أو بعضها، هى انعكاس تام له. وهناك من يخشى من التنميط أو النمذجة، أى إحالة ما كتب إلى أى من الاضطرابات والأمراض النفسية المعروفة أعراضها. وهناك من يخشى من الشخصنة حين يتحول النص الأدبى إلى وثيقة اعتراف، أو ما يشبهها.

أما هنا فيشرح لنا مؤلف الكتاب تصورات فرويد ويونج عن الإبداع، لينتهى بالمدرسة المصرية التى وضع لبناتها الأولى الراحل مصطفى سويف، وسار على دربه تلميذاه: مصرى حنورة وشاكر عبدالحميد، ثم يعرج على دراسة الأحلام والخيال ودورهما فى الإبداع الأدبى، فيبدو هنا الخيال وكأنه حلم يقظة، فيما تبدو رؤى المنام خيالاً ساحراً. وحين يتطرق الكتاب إلى شخصية الكاتب يقدم لنا نجيب محفوظ كمثال، فيسرد مساره والمحطات التى مر بها، فى حين كتب المؤلف دراسات أخرى ومقالات نقدية، لم يشملها كتابه هذا، حلل فيها دخائل نفوس شخصيات بعض الروايات والقصص، وقام بتعيين وتفسير الأجواء النفسية التى أحاطت بإنتاج النص، أو تلك التى انداحت فى ثناياه.