الكاتب البحريني أمين صالح: أمارس مختلف أشكال الكتابة بالدرجة ذاتها من الاهتمام (حوار)
الكاتب البحريني أمين صالح: أمارس مختلف أشكال الكتابة بالدرجة ذاتها من الاهتمام (حوار)
المبدع البحرينى الكبير أمين صالح قامة أدبية وفنية، تنوعت إبداعاته بين الشعر والقصة والسيناريو، يمارسها جميعها بذات القدر من الاهتمام والتركيز والمتعة، ويُعد فيلمه «الحاجز» هو الفيلم الدرامى الطويل الأول فى البحرين. فى هذا الحوار، يكشف «صالح» عن رؤيته للإبداع والتجريب، وعن مصادر نصوصه التى تتكئ على الحلم والذاكرة، كما يتحدث بوضوح عن علاقته باللغة الشعرية فى السرد، وحدود التأثير الفنى فى قضايا المجتمع، وطبيعة العمل تحت ضغوط الإنتاج السينمائى والتليفزيونى.
■ كيف بدأت الفكرة الأولى التى دفعتك للانتقال من الشعر والقصة إلى كتابة السيناريو، وما الفجوة التى أردت ملأها فى السينما البحرينية؟
- الانتقال إلى كتابة السيناريو لم يكن بمعنى التحول، بل هو فعل موازٍ لا ينفى بعضه بعضاً، فأنا أمارس مختلف أشكال الكتابة بالدرجة ذاتها من الاهتمام، عندما كتبت سيناريو فيلم «الحاجز» لم تكن لدينا سينما محلية حقيقية، بل كانت محاولات قليلة ومبعثرة فى المجال الوثائقى والفيلم القصير، لذلك يُعد فيلم «الحاجز» هو الفيلم الدرامى الطويل الأول فى البحرين، ولم يأتِ لملء فجوة ما، وإنما ليمهّد الطريق لتجارب أخرى، فى الواقع، كتبت هذا السيناريو بعد تجارب فى كتابة الدراما التليفزيونية، وهذا ما لفت انتباه المخرج بسام الذوادى، فاستدعانى للتعاون معه.
الكاتب البحرينى: الانقلاب الإبداعى الأول كان باكتشاف الأدبية الحداثية فى «النص والنقد»
■ أى تجربة أدبية أو سينمائية شعرت أنها قلبت اتجاهك الإبداعى بشكل جذرى، ولماذا؟
- فى مسيرة الكاتب، يصادف تجارب إبداعية مهمة تخترق السائد وتسعى إلى تثوير اللغة وتقويض البنى التقليدية. بالنسبة لى، الانقلاب الأول فى مسارى كان مع اكتشافى، فى سنوات السبعينات، للمنجزات الأدبية الحداثية فى النص والنقد، بدأنا آنذاك نتعرّف على الحساسية الجديدة تجاه الأشكال والمضامين، والنظر إلى العناصر الفنية من زاوية مختلفة، أما الانقلاب الآخر، فكان تعرّفى على نصوص تطمس التخوم بين الشعرى والنثرى، وبين الواقعى والخيالى، وهو ما يُعرف بالنص المفتوح.
■ أثناء كتابتك لـ«أغنية ألف صاد الأولى».. كيف تواصلت مع رموز النص داخلياً لتخلق تعدد الأصوات والشخصيات؟
- عندما أكتب، لا أكون واعياً على نحو مطلق بالرموز والمجازات والمعانى، ولا أكون مدركاً للشكل الهندسى الذى سيتحقّق، فالأمور تحدث بتلقائية وعلى نحو غير مقصود، ولا تتضح إلا بعد اكتمال النص، الرموز لا تكون ظاهرة وماثلة، وإنما خفيّة، فهى ما يتخلّق فى ذهن القارئ بعد انتهائه من النص.
ومن جهة أخرى، فإن الأصوات والشخصيات والأحداث تتخلّق فى نصوصى من دون تخطيط مسبق أو أهداف مُعلنة سلفاً، إنها تتخلق بذاتها من دون تدخّل قسرى، ولا تحتاج إلا إلى ضرب من التنظيم والتنسيق.
الحلم والذاكرة مصادر يستمد منها الكاتب ما يحتاج من مواد ورؤى
■ ما العلاقة التى تربط عندك بين الحُلم والذاكرة فى أعمالك السردية؟
- الحلم والذاكرة والمخيّلة مصادر فنية فى غاية الأهمية، عليها يتكئ النص الإبداعى ويستمد منها الكاتب ما يحتاج من مواد وصور ورؤى، شخصياً أرى فى الحلم نبعاً لا ينضب، منه أنهل الصور الغريبة، والبناء القائم على التشظى والانتقالات المفاجئة، إن تأثير الأحلام بلغ حد استعارة منطق الحلم فى صياغة النص، وفى التعامل مع الشخوص والأحداث، والذاكرة معين آخر، منها أستقى ما يسعف نصى للعودة إلى الماضى.
■ ترى أن اللغة الشعرية التى تعتمدها وسيلة مقاومة للاختزال فى السرد أم طريقة للهروب من الواقع؟
- لا أقصد شيئاً أو غايةً من هذا الاعتماد، فاللغة الشعرية ليست دخيلةً أو متطفلة على السرد، ينبغى أن ندرك أن للسرد طاقة شعرية، والشعر كامن فى النص الأدبى على نحو طبيعى وجوهرى، هناك كاتب يدرك وجود الطاقة الشعرية فيوظفها إبداعياً، وكاتب لا يدرك ذلك فيتجاهل هذا العنصر المهم، هناك اعتقاد خاطئ بأن الشعر حكر على القصيدة فقط، بينما هناك مئات القصائد التى تفتقر إلى الإحساس الشعرى، ونجد فى السينما والتشكيل المئات من الشعراء.
■ ما حدود التجريب المقبول لديك ككاتب.. وأين تتوقف عن المخاطرة حفاظاً على وضوح الرسالة؟
- لا حدود للتجريب، طالما هناك محاولة لكتابة نص جديد ومختلف ومغاير لما سبق تجربته، سيكون للتجريب ضرورته، فماذا يعنى التجريب إن لم يكن بحثاً عن الجديد والمختلف، واكتشافاً لأشكال وعلاقات ولغة مغايرة، فبالتجريب أنت تختبر قدراتك وتطبق عملياً ما تطمح إليه من تثوير وتغيير، كما تخلق علاقة مع قارئ مختلف، ذاك الذى يتوق إلى التجدّد واكتشاف الآفاق المجهولة، بالتالى، لا أعتقد أن ثمة خطورة أو مجازفة فى التجريب.
النقد الذاتي يخلق نوعا من الثقة والحصانة وعدم التحسس منه
■ هل واجهت نقداً حاداً أثّر على مسارك الإبداعى؟.. وكيف تعاملت معه عملياً وفكرياً إن وجد؟
- لم تكن لدىّ أية مشكلة مع النقد، النقد السلبى الذى لا يصدر عن حب، ويأتى ليفرض على النص أفكاره وتصوراته، فإننى لا أصغى إليه وأتجاهله، أما النقد الإيجابى الذى ينطلق من الحب، ويسعى إلى التفاهم مع النص وإجراء حوار معه، فسوف أصغى إليه وأتعلّم منه، ومنذ بداياتى، اعتدت على ممارسة النقد الذاتى، وهذا خلق لدينا نوعاً من الثقة والحصانة وعدم التحسس من النقد.
■ على أى مستوى تصف استحضارك للعناصر الطبيعية فى «العناصر» كاستعارة للحياة والموت: فلسفى أم سياسى أم شخصى؟
- تولد الشجرة ويكون لها ذلك الحضور الخارق، الغرائبى، المدهش والمخيف فى آن، هكذا تتوالد كائنات الطبيعة، فى مجموعتى القصصية «العناصر»، وتموت أو تختفى، فى دورة وجودية محكومة بقوانين البقاء الشرسة، مرغمة تجد المخلوقات، عناصر الطبيعة، نفسها تتحرك فى واقع باطش لا يرأف، وتؤخذ عنوةً إلى مسارات محفوفة بالمخاطر.
أمارس الترجمة لفتح آفاق جديدة أمام تجربتي الثقافية
■ أى جزء من تجربتك فى الترجمة أثّر بشكل ملموس على بنيتك السردية أو اختياراتك اللفظية؟
- ليس للترجمة أى تأثير على الأسلوب أو البنية السردية، عندما أُترجم، أخضع للغة الأصلية مع التصرف فى لغتها وبناء جملتها، وتجربتى الأدبية هى التى تسعفنى فى ذلك، تجربتى فى الترجمة جاءت متأخرة، وباختيارى لها كنت أحاول فتح أفق جديد أمام تجربتى الثقافية.
■ أثناء كتابة سيناريو فيلم «الحاجز»، ماذا كانت أهم المآزق الفنية أو الأخلاقية التى واجهتك؟
- الفيلم، كمجال فنى، كان امتحاناً صعباً وشاقاً للجميع. لى ككاتب سيناريو يخوض تجربة الفيلم الطويل للمرّة الأولى، وللمخرج الذى بدوره يخوض التجربة للمرّة الأولى، وللفريق الفنى والممثلين، إذن كنا نجازف منطلقين من حلم جميل نحو مغامرة نجهل نتائجها، كانت الغاية أن نحقّق عملاً جيداً، وأن تكون التجربة نواةً لأعمال أخرى أكثر تطوراً وأهمية.
■ إلى أى مدى ترى أن السينما قادرة على معالجة جراح المجتمع الخليجى بالمقارنة مع الأدب؟
- لا الأشكال الفنية ولا الأشكال الأدبية قادرة على المعالجة وإحداث تغيير أو تحولات اجتماعية وسياسية، الكاتب يتمنى أن يمارس فعلاً تغييرياً، لكنه بلا حول ولا قوة، بإمكانه أن يشير إلى الخلل، وأن يبرز التناقضات، وينمى وعى متلقيه، ويحرّض على الفعل الثورى، وهذه هى حدوده التى لا يستطيع تجاوزها.
■ ما تقنيات السرد التى تعتقد أنها تختزل الهم الشعرى حين تُوظف فى النص الروائى؟
- الشعر مظهر أساسى وجوهرى فى النص الروائى والسردى بوجه عام. وهو لا يتصل باللغة فحسب، بل بالرؤية أيضاً، ولأن الطاقة الشعرية متأصلة فى السرد، فإن السرد ليس بحاجة إلى تقنيات لاختزال ما يُسمى الهم الشعرى، الشعر ليس عنصراً خارجياً أو طفيلياً وإنما هو متجذر فى السرد القصصى.
■ لو كتبت اليوم نصاً يعالج هويتك البحرينية بجرأة أكبر مما سبق، ما الفاصل الذى سيغير فيه صوتك الأسلوبى؟
- مساحة التعبير المتاحة لك لم تكبر، لا تزال الكتابة العربية محاطة بأسلاك شائكة، وبمحظورات شتى تبدأ من السياسى ولا تنتهى عند الحدود الاجتماعية، كل الأطراف التى فوّضت نفسها لمراقبة ما تكتب، تنظر إليك شزراً ما إن تشعر بأنك على وشك أن تتخطى واحداً من مئات الخطوط الحمراء، أما من ناحية الأسلوب، فجرأتك فى الكتابة، فى التجريب، غالباً ما تكون مؤطرة، وتتحرك ضمن دائرة ضيقة.
المرونة والقابلية للتحاور