الأدب وعلم النفس (2)

شرح الناقد الكبير د. شاكر عبدالحميد فى كتابه «مدخل إلى علم نفس الأدب: نظريات وتطبيقات» مراحل الإبداع وهى الإعداد، والاختمار، والإشراق، حيث تأتى الفكرة أو الصورة بعد أن ينشغل بها المخ طويلاً.

وهناك من يعمل على تهيئة نفسه للكتابة بقراءة الشعر، مثلما كان يفعل يوسف إدريس، أو بسماع الموسيقى مثلما يفعل كثيرون.

وهنا يثار سؤال عن موضوع التخطيط للكتابة، لاسيما فى العمل الروائى الذى يحتاج إلى بناء وصبر ودأب، ويستغرق زمناً، بما يتطلب من الكاتب يقظة ووعياً وإدراكاً وترتيباً، الأمر الذى يطرح إشكالية حول علاقة الوجدان بالأذهان، وكيف تدار بما لا يفسد فنية العمل الأدبى، أو مقدار التخييل، وحضور المجاز فيه، خاصة أن شاكر عبدالحميد من الذين ينحازون إلى أدبية الأدب، أو فنيته، بعيداً عن الواقعية البحتة التى يعيبها عند بعض كتاب الستينات، وهى المقولة التى تبناها، ولم تعجب من عاب عليهم.

ويحيلنا هذا الكتاب فى حديثه عن علم نفس الأدب إلى ما يخص سيرة الكاتب «البيوجرافى» بما فى ذلك طقوس الكتابة لديه، وهى مسألة اهتم بها علم النفس الإبداعى، الذى خلص بعد دراسات مستفيضة إلى أن «الإبداع عملية إرادية»، فتعدد تلك الطقوس قد يكون دليلاً على توافر الإرادة فى العمل الفنى، وبالتالى فإن طقس كل كاتب قد يعزى إلى سماته الشخصية أو النفسية وخبرته الحياتية وفى الكتابة أيضاً، وليس إلى تهاويم تربط الإبداع بالجنون أحياناً.

فالكاتب قد ينطلق من فكرة أو صورة أو خارطة، لكنه لا يكون معنياً بالإحالة إلى إطار مرجعى، أو الاتكاء على نقطة مركزية مثلما هى الحال فى الكتابات العلمية بشقيها الإنسانى والبحت.

والكتاب الذى نحن بصدده يفتح الباب أمام مناقشة هذه الفكرة، بقدر ما يفتح نافذة واسعة على قضية «التدرج» و«الاكتمال» أو كما قال نجيب محفوظ «كلنا تدرجنا فى الكتابة إلا توفيق الحكيم فقد ولد مكتملاً بمسرحية أهل الكهف»، ومع هذا قد يكون مرد ما بدأ به «الحكيم» هو اطلاعه المتأنى على فن الرواية والمسرح خلال دراسته للقانون فى فرنسا، قبل أن ينتج عمله الأول.

وينبهنا الكتاب، بطريقة غير مباشرة، إلى أهمية العمل الأول لكل كاتب فى معرفة شخصيته، فالغالب أن الرواية أو المجموعة القصصية الأولى يكون شخص الكاتب فيها حاضراً بقوة من حيث ميوله وذوقه ومجال اهتمامه وطبيعة تجربته وحيز تحركه. وهناك من يراوح فى هذا المكان، فيموت مشروعه أو يصاب بالتكرار، ويوجد من يفارقه ليلتقط من الحياة حكايات وشخصيات تصنع أعماله اللاحقة.

ينحاز الدكتور شاكر عبدالحميد فى كتابه إلى قضية الحرية، ويتعامل معها ليس كقيمة إنسانية عظيمة فحسب، بل باعتبارها ضرورة لأى كاتب، وأن موقعها من الكتابة كموقع الروح من الجسد. ولذا على الكاتب أن يتخطى الجدران التى تقمع حريته سواء شيدتها السلطة السياسية أو المؤسسة الدينية أو التقاليد الاجتماعية أو الرقابة الذاتية.

إننا أمام كتاب عميق فى رؤيته، جديد نسبياً فى طرحه، مفتوح على آفاق أخرى ستلهم كل من يقرأه، فيجد المتعة والفائدة فى آن، سواء كان من متذوقى الأدب أو دارسيه أو من الباحثين فى العلوم الإنسانية بشتى صنوفها، وقبل كل هؤلاء من الأدباء أنفسهم الذى يفتح لهم هذا الكتاب باباً وسيعاً لاكتشاف ذواتهم ومرامى ما يبدعونه.