فى كل مرة كان يقف فيها زهران ممدانى أمام مؤيديه، أو يجرى حواراً، أو يتحدث مع أفراد فى الشارع، ثم يتطرق إلى انتمائه للإسلام، وقصصه عن نشأته، وهواه الدينى، وعمته المحجبة التى كانت تخشى ركوب مترو الأنفاق فى نيويورك فى أعقاب أحداث سبتمبر 2011، بسبب تعرض المسلمين للتنمر والتحرش اللفظى.
تضمين مكون الدين فى حملة ممدانى الانتخابية أسعد كثيرين من المسلمين، وهى سعادة تشبه إلى حد كبير تلك التى تفجرت فى ربوع الكوكب حين اكتشف الناس أن الاسم الأوسط للرئيس الأمريكى الأسبق هو «حسين».
وتحولت الفرحة إلى نصرة كبيرة حين بدأ خطابه فى جامعة القاهرة فى عام 2009 بـ«السلام عليكم».
تصور كثيرون أن الرئيس «حسين» أتى لنصرة العالم الإسلامى، وبيننا من «حط فى بطنه بطيخة صيفى» فيما يتعلق بكل ما هو قادم على صعيد السياسة الدولية. والجميع يعرف ما جرى بعد ذلك.
وأعود إلى ممدانى الذى تحوم حول فوزه توقعات ومشاعر مشابهة، لكن ممدانى نشأ منذ سن السابعة فى أمريكا، وتربى على مبادئ وقواعد الديمقراطية (التى يقول إسلاميون إنها حرام).
ليس هذا فقط، بل هو اشتراكى ديمقراطى (تيارات إسلامية ترى أن الاشتراكية حرام).
دق ممدانى على وتر المعتقد، لكنه، والناخبين، والمراقبين، وأصدقاءه، وأعداءه، ومن انتخبوه، ومن انتخبوا واحداً من منافسيه، يعلمون علم اليقين أن «أول عمدة مسلم» لنيويورك يظل عمدة لنيويورك حيث التنوع، وحيث نسبة معتبرة ممن أعطوه أصواتهم يهود، وحيث وعوده الانتخابية التى مهدت له الطريق أمام الفوز تتضمن العمل على تجميد إيجارات الشقق، والمواصلات المجانية، وتوفير رعاية أطفال شاملة عبر زيادة الضرائب المفروضة على الأثرياء، وغيرها من التفاصيل التى تمس حياة كل من يسكن هذه المدينة المتفردة.
دعم القضية الفلسطينية، والحديث عن اعتقال نتنياهو، والرد على تهديدات الرئيس ترامب له بلهجة قوية لا تخلو من سخرية وغيرها لن تمثل فى اعتقادى سوى نسبة قليلة من عمل ممدانى اليومى كعمدة نيويورك. ربما يتخذ مواقف كلامية واضحة تجاه إسرائيل، لكن قاعدته الانتخابية والسكانية والاقتصادية فى نيويورك تظل حاكمة.
من جهة أخرى، أمثال ممدانى ولاعبنا العبقرى محمد صلاح والراحل أحمد زويل وكل من يعمل عمله، ويبدع فيه، ويتميز بدون نعرة الاستعلاء وقبح التكفير وسماجة إصدار الأحكام وسخافة تحديد من يدخل الجنة ومن يلقى فى النار هم خير من يواجه الإسلاموفوبيا بالحجة والبرهان، وغيرهم يرسخ ويؤكد ويعطى المبرر لها عبر الغلظة والعنف والكراهية والفوقية.
على أى حال، لا تتوقف أمريكا عن إدهاشنا، وربما عن إدهاش نفسها. ونحن أيضاً لا نتوقف عن إدهاش العالم، وإدهاش أنفسنا، ومنظومة «المتحف المصرى الكبير» نموذج.
أقول منظومة، لأننى لا أقصد الافتتاح، أو حفله، أو تقييمه، منظومة المتحف وفرصه الذهبية التى يطرحها يجب أن نقتنصها اليوم قبل الغد. الأجيال الجديدة التى خرجت إلى نور الحياة فى بيئة يهيمن عليها فكر التكفير والتحريم والعكننة على الجميع، وتقديم نسخة من الثقافة، ولن أقول الدين، لأن الدين منها برىء، تقوم على فكرة أنه كلما عانى الإنسان، وضيّق على نفسه، وحرمها من كل ما من شأنه أن ينور العقل، ويضىء القلب، وينقى الروح من فنون راقية وقراءات فى العلوم والآداب المختلفة هو حرام وأن الغرض الرئيسى من وجودنا على ظهر الأرض هو اختبار فى قدرتنا على التضييق على أنفسنا، هذه الأجيال يجب تعريفها على منظومة المتحف، لا عبر الإنشاد الدينى أمام تمثال رمسيس، بل عبر التثقيف والتنوير.
الإنشاد الدينى جميل، والحضارة المصرية جميلة، ولكل مقام مقال.