بين طيات الحجر الأخضر حفرت شهادة لا تُقدّر بثمن على ميلاد أول دولة في التاريخ «مصر الموحدة»، لتتحول لوحة نارمر من قطعة أثرية إلى إعلان عظيم يروي كيف نجح الملك مينا في توحيد مصر شمالًا وجنوبًا تحت تاج واحد؟ ووضع أسس أول نظام ملكي مركزي؛ ليبدأ فصلًا جديدًا من الحضارة التي أذهلت البشرية لآلاف السنين.
وتروي كل رمز في اللوحة من التاج الأبيض إلى صقر الإله حورس، قصة القوة والسيطرة والتنظيم، لتصبح لوحة نارمر شاهدة حية على لحظة ميلاد مصر التاريخية، وعبقرية المصري القديم في توثيق الأحداث الكبرى بطريقة فنية وعلمية مذهلة.
قصة لوحة نارمر
ترك الملك مينا أو نارمر موحد القطرين العديد من الكنوز التاريخية وراءه خاصة أنّه أول من أسس
الحضارة المصرية القديمة، لكن بشكلٍ فريد بقيت لوحته الشهيرة، لتبقى شاهدة على اللحظة التي وُلدت فيها مصر كأول دولة نظامية في العالم.
واكتشفت لوحة نارمر داخل معبد الإله حورس في مدينة نخن بأسوان حاليًا، وهي عبارة عن تصميم ضخم مصنوع من حجر الشست الأخضر، وتبدو وكأنّها قطعة فنية لكنها عبارة عن وثيقة عسكرية وسياسية تسجل أحداثا مفصلة، بحسب الخبير الأثري، محمد الشراكي، المفتش بوزارة السياحة، خلال حديثه لـ«الوطن».
وتظهر لوحة مينا موحد القطرين بوجيهن أولهما يُظهر التاج الأبيض رمز الجنوب، وخلاله يظهر الملك نارمر وهو ممسكا بعدوه من شعر رأسه ويحمل في يده الأخرى صولجان الضرب، تعبيرا عن فرض النظام وتوحيد البلاد، بينما يظهر خلفه خادمه وهو يحمل صرة الزيوت الملكية وحذاء الملك.
وأمام الملك يقف الإله حورس ممثلا في «صقر» ويمسك برأس العدو في إشارة إلى الدعم الإلهي لتوحيد البلاد، أما في الجزء العلوي تظهر البقرة مجسدة المعبودة حتحور آلهة الحب والأمومة والخيرة، وذلك في إشارة إلى دعمها لتوطيد الحكم، وفي الجزء السفلي من اللوحة يظهر الأعداء وهم مستسلمي القوى تحت أرجل الملك كناية عن الرضوخ له.
وفي الوجه الثاني من اللوحة يظهر التاج الأحمر الخاص بملك الشمال، وهو في كامل هيبته ويرتدي تاجه ويتفقد صفوف القتلى في مشهد يدل على انتصاره الكامل على الدلتا، وفي الجزء السفلي يظهر ثور قوي يطيح بأسوار المدينة من العدو رمزا قوة الملك وقدرته على اقتحام الحصون.
رسالة لوحة نارمر
تحمل لوحة نارمر رسائل الانتصار العسكري وتفاصيل أول نظام ملكي مركزي في التاريخ، فهي تعتبر أخطر الوثائق التاريخية على مر العصور، لتجسيدها بداية رحلة طويلة من القوة والدين والعلوم والهندسة وأول فصل من فصول الحضارة المصرية القديمة.
لذلك لا يعتبر
علماء المصريات لوحة الملك مينا مجرد أثر عادي، بل هي شهادة ميلاد مصر الأصلية في التاريخ، فهي ليست مجرد حجرا منقوشا فقط، بل شهادة على عبقرية المصري القديم وعلى أن فكرة الوحدة والقوة والتنظيم ليست جديدة.