غادة لبيب تكتب: المتحف المصري الكبير.. عبقرية الزمان والمكان
غادة لبيب تكتب: المتحف المصري الكبير.. عبقرية الزمان والمكان
في صباحٍ شتويٍّ دافئٍ على غير العادة، تلقيت اتصالًا من صديقةٍ أجنبيةٍ كانت تزور مصر للمرة الأولى، وقالت بحماسٍ طفولي: «أريد أن أرى المتحف المصري الكبير، أريد أن أرى كيف يلتقي التاريخ بالحاضر!»
ابتسمت، ووافقت على الفور. لم أكن أعلم أنّ تلك الزيارة ستتحول إلى رحلةٍ في أعماق التاريخ والحضارة، لا مجرد نزهةٍ بين جدران المتحف.
انطلقنا معًا نحو منطقة أهرامات الجيزة والمتحف، وكان الطريق يشبه سردًا صامتًا لحضارة مصر من تماثيل، وجدران. وحين اقتربنا من المتحف، كانت السماء تستعدّ لمشهدٍ ساحرٍ ينبض بالحياة. فجأةً وجدنا أنفسنا في وسط مشهدٍ نابض بالحضارة، وكأن الألوان تكتب على صفحة السماء حكايةً من نورٍ وخلود.
نظرت إليّ صديقتي وجدتها مبهورةً، وقالت: «هل تعرفين؟ لا أرى هنا مجرد عرض تكنولوجي، بل أرى أمةً تتحدث بلغةٍ لا يعرفها إلا من عاش حضارةً خالدة».
ابتسمتُ، وأنا أتابع الأضواء وهي تتناثر على واجهات المتحف في هيبةٍ وجلال، وشعرتُ أنّ كل ذرة ضوءٍ تحمل رسالةً من الماضي إلى الحاضر. ولم يكن الضوء وحده بطل المشهد؛ فالصوت أيضًا تحدّث بلغاتٍ متعددة، تروي للعالم قصة الإنسان المصري منذ أن نحت الحرف على الحجر حتى كتب التاريخ على شاشةٍ مضيئة. وكأن الماضي يمد يده للمستقبل في حوارٍ حضاريٍّ لا ينقطع.
هذه الصورة التي شهدها العالم خلال افتتاح المتحف المصري الكبير لم تكن مجرد عرضٍ فنيٍّ مبهر، بل كانت بيانًا حضاريًّا جديدًا يُعلن أنّ مصر تدخل مرحلةً جديدة من تاريخها؛ حيث تلتقي عبقرية الأجداد مع رؤية الجمهورية الجديدة الذكية. فكما أضاءت شمس الحضارة الفرعونية العالم قديمًا، تُضيء اليوم أنوار التكنولوجيا سماء المتحف والأهرامات لتُعلن أنّ مصر ما زالت منبع القوة والإبداع. ولم يكن الليزر هنا مجرد أداة عرض، بل هو رمز للتطور، يرسم المجد القديم بأدوات المستقبل، ليقول للعالم إن الهُوية المصرية باقية، وقادرة على التجدد والتطور.
في أروقة هذا الصرح، لا تسير التكنولوجيا وحدها، بل تسير معها الروح المصرية الخالدة؛ روح العامل الذي يحمل بين يديه حجر الفراعنة ويضعه في قلب المستقبل، وكأن المتحف يقول للعالم: إن اليد التي شيّدت الأهرامات هي نفسها التي تبني اليوم ذاكرةً رقميةً تحفظ هُوية مصر من الاندثار وتجعلها مخلدة في ذهن أبنائها. وتشكّلت في خيالي فجأة صورة الإلهة «سشات» ربة الكتابة والمعرفة والحساب والزمن عند المصريين القدماء، والتي اختارتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات شعارًا رسميًا لها منذ سنوات، كما مثلت أيقونة معرض القاهرة الدولي للكتاب الأسبق. فالمعرفة عند المصريين القدماء لم تكن مجرد علم، بل هي طقسٌ مقدسٌ يربط الأرض بالسماء- تمامًا كما يربط المتحف اليوم الماضي بالمستقبل عبر لغة التكنولوجيا والضوء.
ولم أدرِ لماذا دار بخاطري، وأنا أشاهد هذا المشهد المهيب لافتتاح المتحف المصري الكبير، اسمُ المفكر الراحل جمال حمدان صاحب موسوعة «شخصية مصر»، فالمتحف في ذاته تجسيدٌ حيٌّ لعبارة حمدان الشهيرة «عبقرية المكان». إنه قبلة للأهرامات، يستقبل أشعة الشمس المتناثرة بين قممها كأنها تمنحه خلود الماضي وعظمة الأجداد. وقد وصف حمدان مصر بأنها مركز الثقل في العالم، تتوسط القارات الثلاث ويحدّها بحران، فكانت عبقرية المكان جزءًا من هُوية المصريين وإبداعهم منذ المصريين القدماء.
واليوم، يواصل المصريون أحفاد أولئك العباقرة تحقيق تلك العبقرية، بإبداع هذا الصرح الذي شدّ أنظار العالم وجعل من مصر مرة أخرى قلب التاريخ ومسرح المستقبل.
من خلال هذه الصورة، تبعث مصر برسالةٍ واضحة للعالم أنّ التكنولوجيا لم تجعل حضارتنا وتاريخنا يندثران، بل إنّها وسيلة لبعث الحضارة من جديد. فكما شيّد أجدادنا الأهرامات في دقةٍ هندسية أبهرت العالم، تشيّد مصر اليوم منظومة رقمية مؤسسية بالروح نفسها، تعتمد على العلم والإدارة والتكامل بين مؤسسات الدولة. وهذا ما عبّرت عنه رؤية القيادة السياسية في بناء المتحف المصري الكبير كمشروع وطني تشارك فيه كل مؤسسات الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
ولعل أهم ما يميز هذا المشروع أنّه لا ينظر إلى الآثار كقطعٍ جامدة، بل ككائنٍ حيٍّ يُخاطب الزائر، ويحدثه بلغته، ويمنحه تجربةً حسيةً تتجاوز حدود المشاهدة إلى حدود المشاركة الفعلية. فبلمسة شاشةٍ تفاعليةٍ، يستطيع الزائر أن يعود للخلف ويعيش تفاصيل الحياة في مصر القديمة كما لو كان واحدًا من أبنائها. إنها رحلةٌ بين الحجر والضوء، بين الرمز والمعنى. إن توظيف التكنولوجيا في عرض التاريخ لا يهدف فقط إلى الإبهار البصري، بل إلى ترسيخ قيم الدولة الحديثة التي تُحسن إدارة مواردها، وتُظهر حضارتها للعالم بأحدث ما أنتجته البشرية من أدوات رقمية.
وبينما اتجهت أنظار العالم إلى افتتاح المتحف الكبير، اتجهت قلوب المصريين إلى ما هو أعمق - إلى لحظة فخرٍ وطني تُعيد إليهم الشعور بأنهم أبناء حضارةٍ لا تموت، وأنهم قادرون على صناعة معجزاتهم من جديد، هذه المرة بأدواتٍ من ضوءٍ وعقلٍ وإدارة. حين يلتقي المتحف المصري الكبير بالتكنولوجيا، والماضي بالمستقبل، تُعلن مصر أنها ليست مجرد حاضنة للآثار، بل صانعة للتجربة الرقمية للحضارة.
في افتتاح المتحف المصري الكبير، لم تُعرض آثار الماضي فقط، بل رُسمت رؤية مصر الجديدة - رؤية تضع الإنسان المصري في قلب التحول المؤسسي والرقمي، وتُعلن أن الضوء الذي أضاء الهرم والمتحف لم يكن ليزر فحسب، بل كان نور الوعي المصري وهو يستعيد مكانته بين الأمم. وهكذا، لم يكن المتحف مجرد مبنى يحتضن الآثار، بل أصبح معبدًا جديدًا للمعرفة، تُقام فيه صلاةُ العقل، وتُتلى فيه أناشيد الحضارة، لتبقى مصر - كما كانت دائمًا - منارةً تُضيء دروب الإنسانية بنور الوعي والإبداع.