«الجلابية» وهواة الشهرة السلبية

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

الواقع المجتمعى الجديد يؤكد ظهور «طبقة اجتماعية» غريبة، غريبة فى لغتها التى تستخدم كل المصطلحات الإنجليزية فى حياتها «نتيجة التعليم الأجنبى»، وتعيش فى مجتمع مختلف عن بقية الشعب إنها تسكن كومبوندات مغلقة عليها، أسعار الفلل والشقق فيها أصبحت بمئات الملايين والمصايف كذلك.. وأنا أحترم التنوع والاختلاف وأحيى دائماً هذه الطبقة التى لم تشتر مصايف فى قبرص ولا إسبانيا وفضّلت الساحل الشمالى، حين ترفض هذه الطبقة الاستحمام بالبوركينى فى قراهم السياحية أتصور أنه حقهم لأن أهم استثمار لتلك الملايين هو «الخصوصية» وفى كل دول العالم أماكن مخصصة للأثرياء.

لقد سددوا ثمناً غالياً للحياة فى طبقة اجتماعية لا تقبل أصحاب المليون الواحد الذين أصبحوا فقراء فى نظرهم.. هذا ما حدث فى الساحل الشمالى، فبدأ الزحف العمرانى يمتد من الإسكندرية إلى العجمى ومنها إلى قرى مراقيا ومارينا.. وكلما تعرضت قرية ساحلية إلى غزو من الأسر التى تذهب إلى البلاج بحلل المحشى وتنزل البحر بالجلابية أو البوركينى.. قرر ملاكها الانتقال إلى قرية أحدث مثل مراسى أو هاسيندا.. لم يصبح هدف الملاك هنا البحث عن شاطئ أو شاليه فسيح، بل أصبح هدفهم العيش فى «نمط حياة» يألفونه.

لكن مصر المحروسة مليئة بالمصايف والمناطق السكنية لمحدودى الدخل: الإسكندرية، بلطيم، جمصة.. إلخ.

استعرضت هذا العالم الجديد الذى يسدد الضرائب ويستخدم عمالة كثيفة ليس من باب «الحقد الطبقى»، ولكن لأؤكد أن هناك أماكن يجوز فيها «انتقاد الزى».. أما فى زيارة للمتحف المصرى أو للمزارات السياحية والثقافية الأخرى فليس من حق أحد «التنمر» بمواطن مصرى يرتدى الجلباب، وكأنه كان لا بد أن يزور أجدادنا الفراعنة بالبابيون (!!) مثلما حددت «دار الأوبرا» المصرية الدخول بالملابس الرسمية.

سوف أشير إلى أحد الملابس المصرية التقليدية التى تعد من «التراث المصرى»، وبالقطع يعكس الهوية المصرية: إنه «التلى» وهو حرفة تقليدية عريقة تزدهر فى رحاب صعيد مصر وتعرف باسم «التلى»، وهى بمثابة لوحة فنية ترسم بخيوط ذهبية وفضية على قطعة من القماش، لتضفى عليها لمسة من الفخامة والجمال، وقد بدأت هذه الحرفة فى الصعيد تحديداً فى جنوب محافظة سوهاج فى قرية شندويل، وقد عملت الدكتورة «مايا مرسى»، وزيرة التضامن الاجتماعى، أثناء ترؤسها المجلس القومى للمرأة على تشجيع السيدات العاملات فى هذه الحرفة وتطوير مهارتهن إلى أن تم تسجيل أول حرفة تراثية تحمل علامة تجارية جماعية فى مصر (التلّى السوهاجى) تلّى شندويل.. هكذا يفترض أن نتعامل مع الأزياء المصرية.

الانطباع السائد عن «الجلابية البلدى» أنه زى التجار وملاك الأراضى الزراعية وأيضاً العاملين فيها، وأشهر نجوم السينما ظهروا بها فى بطولات سينمائية.. لكن «سمر فودة» لها وجهة نظر أخرى، بداية هى شخصية صدامية تهوى افتعال المشاحنات، وأعتقد أنها لا تملك أكثر من كونها كريمة الدكتور «فرج فودة» رغم أنها كتبت بعض المقالات السياسية وعملت فى بعض المؤسسات الإعلامية وسبق لها الترشح فى الانتخابات.. لكن للأسف الشديد ورثة بعض المفكرين الذين لهم قيمة حقيقية فى حياتنا يستثمرون قيمة الأب الراحل لتمنحهم «ميزة ما» لم يسع إليها الأب وهذه ثروة «سمر» الحقيقية!!.

تصدر اسم سمر فودة «التريند» على «جوجل» و«إكس» فى مصر عقب تدوينة كتبتها معلقة على الصورة التى انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعى، يظهر فيها زوجان بالجلباب البلدى البسيط يمسكان يد بعضهما، ويسيران فى مدخل المتحف المصرى، ويتأمل الزوج الآثار والمبنى المحيط بنظرة إعجاب وفخر، وهى الصورة التى حظيت بانتشار واسع واحتفاء من مستخدمى وسائل التواصل عدوها تعبر عن «الأزياء المصرية الأصيلة».

وكتبت «سمر» مؤكدة أن هذا الزى لا يمثل مصر، وأن مصر معروفة باعتدادها بالأزياء الأنيقة على أحدث الصيحات، وتمثلها أزياء السيدات فى الأربعينات والخمسينات التى كانت تنافس أزياء الباريسيات والإنجليزيات فى ذلك الوقت. منتقدة الملابس التى تعطى انطباعاً دينياً للسيدة الموجودة فى الصورة. لتعود بعد ساعات وتعتذر عن التعليق (!!).. إنه ما يقال عنه «شهرة سلبية» عندما يهاجمك كل العالم ويجبرك على التراجع والاعتذار عن رأيك لكنك تكون حققت غايتك الكبرى بـ«الشهرة»!.

لقد أصبحت «الجلابية» البلدى تريند على السوشيال ميديا تماماً كما حدث للأزياء الفرعونية على هامش افتتاح «المتحف المصرى الكبير»، ولم تستطع «سمر» بالتعالى والتنظير السخيف أن يتبنى أحد وجهة نظرها.. ولا تزال تستمر فى سخريتها من الجلباب ربما لأنها رغم عملها الطويل لم نسمع عنها ولم نعرف إلا أنها ابنة «فرج فودة».. أما الآن فهى محط الأنظار: هذا هو عطاء من تصورت أنها تحمل خطاباً تنويرياً وثقافياً للمجتمع.. وأنها وريثة الفكر «الفكر ليس تركة» لشخص، بل للإنسانية.. وكما فشلت فى الانتخابات فشلت جماهيرياً فى استفتاء عشوائى على «عقلها وشخصيتها وما تقدمه للمجتمع»!!.