فتنة الظلم
غياب العدل معناه اضطراب الحياة وبلوغها مرحلة تهدد بسقوطها، وتحولها إلى غابة يأكل القوى فيها الضعيف. فحلول الظلم محل العدل يعنى أن المجموع البشرى يسير فى طريق التدمير أو الانتحار الذاتى. والفارق الجوهرى بين الدنيا والآخرة هو أن الظلم جزء من حقائق الدنيا، فى حين أن العدل المطلق هو القانون الأساسى الذى يحكم الآخرة، لأن الخالق العظيم هو من يحكم وهو سبحانه «الحكم العدل».. قال تعالى: «الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ».
وأثر الظلم يلحق أول ما يلحق بالإنسان الظالم، فالظلم يشوه نفسية صاحبه ويخرجه من مربع الحالة السوية إلى دوائر السوء والاضطراب، إنه يشعر وهو يظلم أنه يفوز ويكسب ويربح، لكنه سيدرك -مهما طال عليه الأمد- أنه لم يجن سوى الندامة، فمهما حصدت من معطيات الحياة، فلن تأكل أكثر من استيعاب «معدتك»، أو تلبس أزيد من «هدمتك»، أو تعيش أكثر من «عمرك»، لذلك فالظالم يظلم نفسه، قبل أن يظلم غيره، يقول تعالى: «وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ»، ويقول: «وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» ويقول: «وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ».
فالظلم فتنة تضرب أول ما تضرب الظالم، وتتسرب آثارها بعد ذلك إلى المجموع، فالسكوت على الظلم يؤدى إلى انكسار روح الأفراد وانطفائها، والمظلوم المستكين لا يصلح لشىء يقيم الحياة، بل يلعب بسلبيته دوراً -إلى جوار الظالم- فى تدميرها. وصدق الله العظيم إذ يقول: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ». يقول «الطبرى» فى تفسير هذه الآية: «أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب».
فالعاقل من يرفض الظلم ولو بنيته وفى قرارة نفسه، لأن فتنة الظلم حين تضرب فإنها تضرب الجميع: الظالم والمظلوم.
والمؤمن لا يخلط إيمانه بظلم، يقول تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ». يشير المفسرون إلى أن المقصود بالظلم فى الآية الكريمة هو «الشرك»، مصداقاً لقوله تعالى: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»، وبالتالى فالمعنى أن المؤمن يجب ألا يخلط إيمانه بشرك، وظنى أن المعنى قد يتمدد إلى ما هو أبعد ليشير إلى الظلم بمعناه المتعارف عليه: (غياب العدل)، فظهور الظلم -بهذا المعنى- داخل مجتمع من المجتمعات يؤدى إلى افتقاد الأمن بين أفراده، والآية الكريمة تشير بشكل صريح إلى أن المجتمعات التى لا يختلط فيها الإيمان بظلم هى التى تتمتع بالأمن، والأمن نعمة كبيرة وثمرة عظيمة من ثمرات العدل، حين يأمن الإنسان على نفسه وعرضه وأرضه وأولاده.
إن الله ينظر إلى الأفراد والمجتمعات الذين يجتهدون فى البحث عن العدل فيمنحهما الستر والأمان، أما حين يسود الظلم فلا تتوقع أماناً. قال تعالى: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ».