عندما يطول الانتظار وتزداد الأشواق للوطن وللأهل والأحبة والبيت والأرض والأبناء والأحفاد والعمل والزرع وطعام الجدة ورائحة الخبز الساخن وزيت الزيتون والزعتر والملفوف وبرتقال يافا والزيتون المكمور والمسخن والمقلوبة وأغانى الأعراس وثوب الزفاف المطرز، عندما تعصف بنا الأشواق وتوجع القلوب وتنهمر الدموع نتذكر جميعاً ذلك المثل العربى (العود أحمد) أو (عُدنا والعود أحمد)، والذى يعنى العودة الحميدة للشىء بعد الابتعاد عنه.
وكان مالك بن نويرة هو أول من ردّد هذا المثل الذى كتبه خداش بن حابس التميمى فى إحدى قصائده التى أطلقها احتفالاً وابتهاجاً بعودته لحبيبته والزواج منها فى قصة ردّدتها القبائل العربية. وينطبق هذا المعنى على الكثير من المواقف والتغيرات فى الحياة، فهى بمثابة فرصة للبدء من جديد ووضع خطط مستقبلية وتحقيق أهداف وتطلعات وإعادة تنظيم الأولويات.
والحقيقة أن الناس يشعرون بالحماسة والتفاؤل تجاه البدايات، ولكنهم فى الوقت نفسه قد يشعرون بالقلق أو الخوف من المجهول، لذا لا بد أن نعى تماماً أن الأشياء التى نسعى لتحقيقها لن تأتينا على طبق من ذهب، دون جهد أو عناء، أو دون أن نقاتل بشراسة فى بعض الأوقات، من أجل تحقيق النجاح.
الوضع حالياً مع إسرائيل يؤكد أن العود لن يكون أحمد، فوسط ادعاءات نتنياهو وبحثه الدائم عن أى سبب لخرق اتفاقية وقف إطلاق النار التى وقعت فى شرم الشيخ ورغم الجهود الدولية، سواء من أمريكا ومصر وقطر ودول الاتحاد الأوروبى لجعل هذا الاتفاق حقيقة على أرض الواقع، فإن الأمور بدأت تسوء، والضحايا يسقطون من جديد، وتُضاف أعداد من القتلى والمفقودين، فإسرائيل أثبتت أنها تطلق رصاصة الرحمة على جميع اتفاقيات السلام الموقّعة بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى منذ سنوات وحتى شرم الشيخ.
وتشمل الاتفاقيات الرئيسية بين إسرائيل والدول العربية اتفاقيات الهدنة عام 1949 بين إسرائيل وكل من مصر والأردن وسوريا، ومعاهدة السلام الرسمية مع مصر عام 1979، والأردن عام 1994، بالإضافة إلى اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، حيث وقّعت فى العاصمة الأمريكية واشنطن بمشاركة الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون، وقد سُميت بأوسلو نسبة إلى المدينة التى استضافت المحادثات السرية التى بدأت بين الجانبين عام 1991.
وقد تبع اتفاقية أوسلو عدد من جولات المفاوضات والاتفاقيات، وجميعها كانت تتمحور حول قضايا الحدود والمستوطنات والقدس، فضلاً عن الوجود العسكرى الإسرائيلى وسيطرته على المناطق الباقية، بعد الاعتراف الإسرائيلى باستقلال السلطة الفلسطينية وحق الفلسطينيين فى العودة.
عرف عن الإدارة الإسرائيلية أسلوب المماطلة فى أى اتفاقات تبرمها حول الحق الفلسطينى والانسحاب من الأراضى المحتلة، وقد حدثت مماطلات إسرائيلية كثيرة، أبرزها حول الانسحاب من أراضى الضفة الغربية وقطاع غزة فضلاً عن المماطلات فى الوصول إلى مفاوضات الوضع الدائم وإقرار حق الفلسطينيين فى العودة إلى جانب المماطلة الأكبر فى تحديد وضع القدس.
وتجلت المماطلات التى تمارسها حكومة الاحتلال ونتنياهو فى الاختراق الدائم لاتفاق وقف الحرب فى قطاع غزة المبرم فى شرم الشيخ الشهر الماضى، حيث يواصل جيش الاحتلال غارات على بعض البلدات فى قطاع غزة، كما يتخذ رئيس حكومة الاحتلال من قضية عودة جثامين المحتجزين زريعة لمحاولة إفشال الاتفاق.
فهل ننتظر أن نقول العود أحمد أم أن الأمور مع نتنياهو وإسرائيل تشير إلى أنه لن يكون كذلك أبداً؟