وليد خيري يكتب.. البيوت التي تحكي للريح: عبّاد يحيى وكيف يروي الفلسطيني العادي ما يحدث في البيوت؟

كتب: editor

وليد خيري يكتب..  البيوت التي تحكي للريح: عبّاد يحيى وكيف يروي الفلسطيني العادي ما يحدث في البيوت؟

وليد خيري يكتب.. البيوت التي تحكي للريح: عبّاد يحيى وكيف يروي الفلسطيني العادي ما يحدث في البيوت؟

ليس من السهل أن تكتب عن الفلسطيني العادي.. ذاك الذي لم يكن يوما بطلا في نشرة أخبار، ولم يعتل منصة سلطة أو ساحة مقاومة، بل صار بطلا لأنه اختار وحدته، أو تمسك ببقاياه، أو ظل يعيد شريط الذاكرة بين حي وجدار. في روايته «يحدث في البيوت»-الصادرة هذا العام عن دار المتوسط- يغامر عباد يحيى باقتحام عوالم الحياة اليومية التي تجري في الظلال، حيث لا فرق بين زمن السبعينات أو الثمانينات، وبين زمن تحتل فيه هذا نص الفقرة بدون أي تشكيل:

اشتهر عباد يحيى قبل روايته يحدث في البيوت بأعمال أثارت جدلا نقديا وثقافيا واسعا على مستوى الرواية الفلسطينية والعربية، فهو صاحب «جريمة في رام الله» التي كسرت الحدود بين الخاص والعام وأثارت نقاشا شائكا حول الجرأة السردية وحدود التعبير، كما قدم في «هاتف عمومي» معالجة مكثفة للعزلة والاغتراب داخل المجتمع الفلسطيني، وجعل من «رام الله الشقراء» مساحة لاستكشاف تحولات المدينة والهويات المتصارعة فيها. في كل هذه الأعمال ظل يحيى وفيا لسؤاله عن الإنسان المهمش، عن التفاصيل الصغيرة التي تكشف أزمة المجتمع لا صاخب الشعارات، لينحت في كل نص عالما يخصه وحده ويخص القارئ العربي الباحث عن صوت جديد للذات الفلسطينية.

يستعيد يحيى في روايته الجديدة يحدث في البيوت خطا نقديا قديما، وإن ظل راهنا، عن أزمة الكاتب الفلسطيني مع فخ القضية. كما كتب إدوارد سعيد، وكما ردد جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وبسام حجار: من ذا الذي ينقذ الفلسطيني من الاختزال في رمز واحد؟ من يحرره من بطش الخارطة والبيان الصحفي؟ في زمن تتصارع فيه الأعلام والخطب، تأتي كتابة يحيى على هيئة فعل مقاومة جديدة: مقاومة اختزال الفلسطيني في المقاوم.

هكذا يكاد الكاتب يقول لنا: الفلسطينيون ليسوا جميعا أبطال معارك، ولا تجار دموع، ولا ساسة. ثمة بشر من لحم وذاكرة وبيوت، لديهم أحلام قصيرة وقصائد يهمسون بها في عتمة المعبر، لغة يتحول فيها المكان إلى ملاذ وهروب ومصدر فجيعة بآن.

يستعير يحيى في نصه الكثير من جماليات فلسفة المكان، كما وضع أسسها جاستون باشلار وغيره من فلاسفة الفراغ والبيئة الداخلية للإنسان. فالبيت عنده ليس 4 جدران بل مكان يؤثث المخاوف والحنين، مستودع الأسرار والمخاوف الصغرى. يكتب باشلار في جماليات المكان: ليس البيت مأوى للجسد فقط، بل مأوى للأحلام أيضا. يترجم الكاتب الفلسطيني هذه المقولة روائيا حين يمنح جدران البيوت في روايته صوتا، يمنحها القدرة على أن تكون شاهدة ومؤرخة ومتكتمة، بل ومنكفئة أحيانا على حزنها مثل كائن عزلته الأسطورة عن الشارع.

لم يهتم يحيى بسيرة الحدث الكبير، فهو يدرك بذكاء ووعي نقدي أنّ الواقع الفلسطيني أغرق في التجريد والتسييس حتى اختفى الإنسان خلف الخطاب. ولهذا كانت شخصيات مثل هالة وجميل وشكري في الرواية، لا تلهث وراء البطولة، بل تنكمش داخلا وتواجه انهياراتها بشجاعة العاديين لا الأبطال. هالة تهرب من الجميع بحثا عن جزء ضئيل من روحها في زمن سرقته السياسة والجغرافيا. جميل يحبها، ربما لأنه أدرك أنّ الحب وحده فعل مقاومة ضد النسيان، بقدر ما هو فعل احتفاظ بالذات وسط زمن يشهر السلاح في وجه العواطف والفردانية والضعف.

في هذا السرد يعيد عباد يحيى تشكيل النكبة الداخلية للفلسطيني، لا ليردد أناشيد الماضي أو فخاخ الثأر، بل ليرينا الأزمة خارج أسوار السياسة:

أزمة الفلسطيني في ذاته، في بيته، في لغة يومه العادي، في هويته القلقة التي أصبحت سيرتها الشك والارتياب وحتى الرغبة في النسيان. كما قال محمود درويش: «الهوية هي ما نحتفظ به من شظايا بعد أن تكسرنا الحروب».

لا يصنع الكاتب دولة ولا يهبك شهيدا. ينجز كتابته بروح من بات يدرك أن إنسانا بلا بيت هو مجرد ظل في جغرافيا الآخرين.

الرواية تلتقط قلق البيت الفلسطيني في الليل، الحلم الهارب من فتحة الباب، سؤال الأم الدائم عن ابنها القادم من الغربة أو المختفي وراء غبار المدن الجديدة. في حوار مع زمن النكبة والنكسة والمخيمات، يتبنى عباد يحيى مفهوم الولادة الثانية التي تعني أنّ الفلسطيني يضطر إلى قتل ذاته الأولى ليحيا، لكنه يموت قطعة فقط ليستطيع السير في اليوم التالي.

هؤلاء الذين يسكنون البيوت في الرواية لا يملكون ترف التاريخ، فيوسف زيدان يقول: التاريخ الكبير يضيع فيه صوت الفرد. ولكن هنا، في هذه الرواية، يصر عباد يحيى على أن صوت الأفراد هو خلاصة التاريخ المسكوت عنه.

الاحتلال، في صورته الأدق، ليس جنديا على الباب أو طائرة في السماء، بل خوف مستمر يتسرب من لغتك، من لهجتك ومن طريقة تفكيرك بنفسك وبغيرك. ولهذا فإن جماليات النص تقوم على تحويل الجغرافيا إلى جرح نفسي مفتوح، والذاكرة إلى لعنة مستدامة كما يقول إميل سيوران: كل ذاكرة لعنة.. لكنها لعنة ضرورية للبقاء.

ربما استعان يحيى بعض الوقت بأساليب التغريب البريختي، يحررك من توقع النهاية المنطقية، ويتركك تواجه هشاشة السرد وتشظي الذوات. يصرخ النص أحيانا، ويبكي صامتا أحيانا، لكنه يمنح القارئ فرصة نادرة: أن ينظر بعين الفلسطيني العابر، لا الفلسطيني المقاتل أو السياسي، ويطرح ذلك السؤال الذي يخاف الكبار من طرحه: ماذا يحدث للفلسطيني الذي لا يحمل بندقية؟

هذا الذي يتعلم في طفولته حب الشرفة وقص الأغاني وتحضير الشاي ونحت حروف الأحبة على الجدران، ثم يجد نفسه فجأة مشردا على رصيف شارع بلا عنوان، أو مهاجرا في بلاد لا تعترف بحنينه ولا بلغته.

لقد هرب عباد يحيى من فخ القضية بهذا الإصرار على كتابة الحياة الداخلية، على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تقاوم البلاغة، كما يليق برواية عربية تسعى لكسر الحدث والخطاب.

روايته ليست نشيدا وطنيا، بل أغنية حزينة في مطبخ صغير أو جملة مخفية في قلب شاب لم يعد يصدق الشعارات. كأنه يقول: فلسطين ليست فقط أرضا تحت الاحتلال، بل أناس يحاولون ألا ينسوا أنفسهم. يحدث في البيوت لهذا السبب ليست فقط عن فلسطين، بل عن الإنسان المعلق بين أنقاض حلم وحنينه لبيت حقيقي وسط البيوت كلها.

إنها رواية عن التفاصيل التي لم يكتبها التاريخ، عن الهواجس التي لم يعشها الخيال السياسي الكبير. لهذا ستبقى دائما قيمة عباد يحيى في محاولة انتشال الفلسطيني العادي من السردية الجمعية، ومنحه حق البوح: حق أن يكون فردا ضعيفا مترددا عاشقا خائبا.. لكنه ليس جثة على واجهة الصحف، ولا شعارا فوق حائط الذكرى.


مواضيع متعلقة