ما يجرى فى السودان أمر موجع. نحو 150 ألف شخص قتلوا منذ اندلاع الحرب. ترجيحات تشير إلى أن الرقم أعلى بكثير، ويصل إلى 200 ألف قتيل. و12 مليون سودانى فروا من بيوتهم. 20 مليون سودانى فى حاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. الملايين جائعون. البعض يلجأ إلى أكل علف الحيوانات وقشر الفول السودانى. ملايين تحصل على الماء بالكاد. خطر المجاعة يلوح فى الأفق. القتل الممنهج الذى ترتكبه قوات الدعم السريع يصل إلى مرحلة الإبادة الجماعية. وأثناء محاولة الهروب من القتل والترويع، يتم إطلاق النار عليهم. والفاشر فى القلب من هذه المأساة مكتملة الأركان. ومنذ سيطرت عليها «الدعم السريع» وتقارير مروعة ترد عن عمليات قتل جماعى وعنف عرقى وخطف واعتداءات جنسية متكررة.
السودان كله يعانى، لكن معاناة دارفور غير مسبوقة. وشبح تكرار السيناريو المفجع يحوم حول كردفان «الغنية بالنفط».
قبل أيام، قال مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكور تورك إنه يأمل أن يستيقظ المجتمع الدولى على ما يحدث هناك. قال: «كل التحذيرات التى أطلقناها على مدار العام (عما يجرى فى السودان) لم يتم الالتفات إليها... ومؤشرات تكرار ما حدث فى دارفور فى كردفان مثيرة للقلق للغاية». الأكثر إثارة للقلق هو تغافل أو تجاهل أو تناسى أو تجنب المجتمع الدولى الاهتمام بما يجرى فى السودان. ما يجرى فى السودان اندلع (فى مرحلته الحالية إذ إن جذور الأزمة تعود إلى عام 2019 والبعض يرجعها إلى ما قبل ذلك، وتحديداً ثلاثة عقود من حكم عمر البشير بدأت فى عام 1989) فى أبريل عام 2023، أى قبل حرب غزة بأكثر من خمسة أشهر.
المأساتان -غزة والسودان- مروعتان. كل شخص يفقد حياته أو يصاب أو يشرد فى حرب أو صراع يستحق الاهتمام والتعاطف والتدخل. المقارنة لا تصح، ولكن طرح أسئلة مشروعة حول أسباب «ثانوية» حرب السودان يجب أن تجد إجابات.
فى دائرة معارفى كثيرون ظلوا يتعاملون مع أحداث السودان باعتبارها شأناً داخلياً، أو صراعاً ما ضمن سلسلة الصراعات هناك، أو خلافاً محلياً لا يستوجب التعاطف الجارف أو الاهتمام العالمى. وحين استيقظوا ذات صباح الشهر الماضى بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أعوام على الحرب المروعة، على خبر مقتل أكثر من ألفى شخص فى مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، أصيبوا بصدمة معرفية. الأعداد أكبر من ذلك بكثير، لكن ما يزيد الأوضاع المروعة بلة انقطاع الاتصالات فى الولاية، وحالة الفوضى العارمة التى تعتريها. ووصل الأمر لدرجة قيام «الدعم السريع» فى يوم واحد بتصفية ما يزيد على 450 مريضاً ومصاباً وكوادر طبية فى «المستشفى السعودى» هناك.
هذه الأحداث شكلت بداية اهتمام البعض فى العالم للبحث والتنقيب ومعرفة ما يجرى فى هذا البلد. وهذا ما يجعل مأساة السودان أكثر إيلاماً. وهذا ما يستدعى بحثاً متأنياً عن الأسباب. قيم وقواعد الإنسانية تحتم ألا يكون التعاطف مطلقاً، والتراحم انتقائياً، والتظاهر وجمع التبرعات والدعاء فى صلاة الجمعة ولصق الملصقات على السيارات لفئة واحدة من المظلومين دون أخرى.
على أى حال، نحمد الله كثيراً على أن الدولة المصرية تولى كل الاهتمام والدعم والعمل على إيجاد حلول لما يجرى فى السودان، لا لأن السودان مسألة أمن قومى لنا فقط، ولكن لأسباب إنسانية لا تتجزأ.
فهم حقيقة ما يجرى وتحليل الأوضاع أمور ضرورية لمعرفة الأسباب وتفادى تكرار الأزمات والمعضلات. وهذا ينطبق كذلك على المشاهد الانتخابية بشكل عام. وبعيداً عن الخوض فى قواعد انتخابات مجلس النواب، ونسبة المعينين إلى المنتخبين، وما ينتخب من ولماذا، ربما يجدر بنا بعد انتهاء الانتخابات تماماً، إعادة النظر على الأقل فى المحتوى الإعلامى الذى يتصور البعض أنه يؤثر بشكل إيجابى لدى المتلقى. أتحدث تحديداً عن صور حمل المرضى على «النقالات»، والعريس والعروس بملابس الفرح، والمسن الذى يتنفس بصعوبة وهو محمول على كرسى، وذلك للإدلاء بالصوت. بعض المعانى والكثير من الرسائل يتم فقدانه عبر التكرار المفرط. أما بقية مكونات الانتخابات، ونبض الشارع، وأثر البرلمان إلخ فيمكن بحثها فيما بعد، لمن يريد أن يعالج ويمنع الاستمرار فى أساليب ومناهج من شأنها أن تلحق الضرر بالجميع.
سؤال أخير، يا ترى يا هل ترى، ما الذى يدفع الشخص الذى يقرر أثناء جلوسه أمام شاشته أن يكتب أن فلان مات بينما فلان لم يمت بعد؟ عادة يكون فلان فناناً مشهوراً أو شخصية عامة. وغالباً يكون هذا الفلان مريضاً. وأعود إلى السؤال، ما نوع الأفكار والقيم والمبادئ التى تحرك هذا الشخص الذى يقرر أن يكتب «وفاة فلان» على السوشيال ميديا؟ طيب بلاش قيم ومبادئ، ما المنفعة أو الفائدة التى يجنيها؟ لو كان الأمر يتعلق بإدمان السوشيال ميديا، أو المعاناة من النقص والشعور بالدونية وتعويضهما بنشر شائعات عن وفيات لم تحدث، فهذا يتطلب علاجاً لمن يثبت مرضه العقلى، وعقاباً لمن يثبت مرضه الفكرى.