«مجازر دارفور» تلفت أنظار العالم إلى «حرب الإبادة» في السودان
«مجازر دارفور» تلفت أنظار العالم إلى «حرب الإبادة» في السودان
فى السادس والعشرين من أكتوبر الماضى، هزّت مجزرة مروعة ضمير العالم، بعد أن اجتاحت ميليشيات «قوات الدعم السريع» مدينة «الفاشر»، عاصمة ولاية شمال دارفور، فى واحدة من أكثر حلقات الحرب الأهلية السودانية دموية منذ اندلاعها قبل أكثر من عامين ونصف العام.
ومع سقوط المدينة، تحولت «الفاشر» إلى رمز جديد لمأساة إنسانية متصاعدة، تتكشف ملامحها الآن على أعين العالم، ليس من خلال تحقيقات ميدانية، أو تقارير حقوقية فحسب، بل عبر مقاطع مصورة نشرها الجناة أنفسهم، وصور أقمار صناعية، كشفت ما وصفتها مجلة «فورين أفيرز» بأنها «برك من الدماء» فى شوارع المدينة المنكوبة.
ورغم أن الصراع بين الجيش السودانى وميليشيات «الدعم السريع» لم يتوقف منذ اندلاعه فى أبريل 2023، فإن ما جرى فى «الفاشر» يمثل نقطة تحول مأساوية لعدة أسباب، أولها حجم القتل والعنف المفرط ضد المدنيين، وثانيها أن المدينة كانت تُعد آخر المراكز الكبرى تحت سيطرة القوات النظامية فى إقليم دارفور، وثالثها أن هذه المجزرة دفعت المجتمع الدولى، المتردد منذ فترة طويلة، إلى إعادة النظر فى تعاطيه مع الحرب السودانية بوصفها «حرب إبادة ممنهجة»، لا مجرد صراع داخلى على السلطة.
انقسامات بين الدول الكبرى «تشل يد» مجلس الأمن.. والمجتمع الدولى يقف عاجزاً أمام «جريمة إنسانية» ستطارد ضمير العالم لعقود
وصفت المجلة الأمريكية مقاطع الفيديو التى انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى، التى التقطها بعض عناصر «الدعم السريع»، بأنها كانت من الوحشية بحيث لم تتمكن القنوات الإخبارية الكبرى ولا الصحف من عرضها للجمهور، غير أن صور الأقمار الصناعية التقطت ما يكفى لتأكيد الفظائع، «بقع داكنة من الدماء فى محيط المستشفيات، وأنقاض لمبانٍ كانت تؤوى مئات العائلات التى لجأت إليها بحثاً عن الأمان»، وفى أحد مستشفيات المدينة، نقلت منظمة الصحة العالمية عن مصادرها الميدانية أن مسلحى «الدعم السريع» أعدموا 450 شخصاً من المرضى والأطباء وأفراد طواقم التمريض وأسرهم، بينما يقدر العدد الإجمالى للضحايا، الذين سقطوا أثناء سيطرة الميليشيات المسلحة على المدينة، بأكثر من 1500 قتيل، وما زال آلاف المدنيين فى عداد المفقودين، يُعتقد أن كثيرين منهم إما أُعدموا فى الميدان، أو دفنوا فى مقابر جماعية، تم رصدها بالأقمار الصناعية على أطراف المدينة.
بعد سقوط «الفاشر»، بدأت موجة نزوح جديدة إلى بلدة «طويلة»، الواقعة على بعد 72 كيلومتراً إلى الغرب، وهى بلدة كانت تُعرف قبل الحرب بأنها واحة زراعية هادئة، لكنها اليوم غدت ملاذاً لعشرات الآلاف من الناجين، وهناك، تعمل منظمات الإغاثة الدولية مثل «أطباء بلا حدود» و«لجنة الإنقاذ الدولية» على تقديم كميات محدودة من الغذاء والدواء والمياه، فى ظل انقطاع الإمدادات الإنسانية، وانعدام الأمن فى الطرق المؤدية إلى المدينة، ومع ذلك، فإن الوضع فى «طويلة» لا يبعث على الأمل، فكل طفل يصل إلى عياداتها يعانى من سوء تغذية حاد، وغالبية الأسر تعيش على وجبة واحدة فى اليوم.
وأعلنت «لجنة مراجعة المجاعة»، التابعة لتصنيف مراحل الأمن الغذائى المتكامل (FRC)، الأسبوع الماضى، حالة المجاعة رسمياً فى الفاشر ومحيطها، مؤكدة أن «انهيار النظم الغذائية» بلغ مستويات غير مسبوقة منذ «مجاعة دارفور» عام 2004، وفى الوقت ذاته، تحاول إحدى الجماعات المتمردة المحلية، التى لا تزال حتى الآن تحافظ على حيادها فى الصراع، أن توفر قدراً من الحماية للنازحين، لكنها تفتقر إلى الإمكانات، فيما تتراجع فرص بقاء المدنيين على قيد الحياة مع كل يوم جديد من القصف والمعارك.
بالنسبة لكثير من المراقبين، فإن ما يحدث اليوم فى دارفور ليس سوى إعادة إنتاج أكثر عنفاً لما شهده الإقليم فى العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، حين قتل مئات الآلاف، ونزح الملايين، نتيجة «حملة الإبادة» أثناء نظام الرئيس السابق عمر البشير، بمساعدة ميليشيات «الجنجويد»، وهى نفسها التى تحولت لاحقاً إلى «قوات الدعم السريع»، لكن ما يميز المشهد الحالى، وفق «فورين أفيرز»، هو أن الآلة العسكرية القديمة لـ«الجنجويد»، تطورت إلى قوة شبه نظامية ضخمة، تمتلك ترسانة من الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة، وتعمل بتمويل ضخم من شبكات الذهب والتهريب الإقليمى، أما الجيش السودانى، فبدا منذ اندلاع الحرب منهكاً ومجزأ بفعل الانقسامات الداخلية، ما جعله غير قادر على حماية المدن، أو تأمين الممرات الإنسانية.
وأشارت المجلة الأمريكية فى تقريرها إلى أن قوات «الدعم السريع» باتت تسيطر فعلياً على معظم أراضى دارفور، بينما يتركز وجود الجيش فى بورتسودان، وبعض القواعد فى الشمال الشرقى، وفى ظل هذا التوازن المائل بشدة لصالح الميليشيا، يتوقع الخبراء أن تمتد الفوضى إلى مناطق جديدة، خصوصاً إذا فشلت الجهود الإقليمية فى كبح جماح الدعم السريع، أو فرض وقف لإطلاق النار، واعتبرت «فورين أفيرز»، فى هذا الصدد، أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام اختبار أخلاقى واستراتيجى حاسم، إذ إن كل المؤشرات تؤكد أن الضغوط الأمريكية وحدها قادرة على إجبار الأطراف المتحاربة على التراجع، فالمجتمع الدولى بات عاجزاً عن فرض أى إجراءات رادعة، بعد أن فشلت الأمم المتحدة ومجلس الأمن فى تمرير قرارات ملزمة، بسبب الانقسامات بين الدول الكبرى، فيما أغلقت روسيا والصين الباب أمام أى تحرك دولى واسع، بذريعة «احترام السيادة السودانية».
وفى ظل هذا «الشلل الدبلوماسى»، أشارت المجلة إلى أن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، الذى عاد إلى البيت الأبيض مطلع هذا العام، يمتلك وحده القدرة على التأثير المباشر فى مسار الحرب، سواء عبر العقوبات الاقتصادية الواسعة على قادة «الدعم السريع» وشبكاتهم المالية، أو من خلال تحريك أدوات الضغط الإقليمى على حلفائهم فى الشرق الأوسط وأفريقيا، لكن الإدارة الأمريكية الحالية تبدو، حتى الآن، حذرة فى التعامل مع الملف السودانى، فـ«ترامب»، المعروف بتركيزه على القضايا الداخلية والهجرة والاقتصاد، لم يبدِ اهتماماً كبيراً بأزمات أفريقيا جنوب الصحراء، غير أن تصاعد موجة القتل فى دارفور، وتزايد الانتقادات من الكونجرس والمنظمات الحقوقية الأمريكية، قد يدفع البيت الأبيض إلى تبنى موقف أكثر حزماً، خصوصاً إذا ما تحولت مأساة دارفور إلى قضية رأى عام داخل الولايات المتحدة.
فى تقريرها الأخير، حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين من أن النزاع فى دارفور يهدد بدفع أكثر من 5 ملايين شخص إلى النزوح القسرى خلال الأشهر المقبلة، إذا استمرت المعارك بالوتيرة الحالية، وأكدت الوكالة أن الحدود الغربية مع تشاد أصبحت «شبه مغلقة»، وأن عشرات الآلاف من النازحين العالقين فى الصحراء يواجهون خطر الموت عطشاً وجوعاً، وأضافت «فورين أفيرز»، فى هذا الصدد، أن مشاهد الأطفال الجياع والنساء المفجوعات وأكوام الجثث بدأت تذكر العالم بأبشع فصول الإبادة فى رواندا عام 1994، محذرة من أن «دارفور قد تكون هى المجزرة التى ستطارد ضمير العالم لعقود مقبلة، إذا لم يتحرك المجتمع الدولى سريعاً».
على الجانب السياسى، لا يزال الوضع فى الخرطوم غامضاً، فالحكومة المركزية، التى يقودها الفريق أول عبدالفتاح البرهان، تواجه عزلة متزايدة، وتراجعاً حاداً فى قدرتها على إدارة الدولة، البنية التحتية منهارة، والعملة الوطنية فقدت أكثر من 90% من قيمتها، بينما تغيب المؤسسات المدنية تماماً، وعن ذلك، كتبت «فورين أفيرز» أن انهيار الدولة السودانية لم يعد سيناريو نظرياً، بل غدا واقعاً قائماً بالفعل، وأن استمرار الحرب بهذا الشكل سيحول السودان إلى «بؤرة للفوضى العابرة للحدود»، تهدد استقرار منطقة القرن الأفريقى بالكامل، بما فى ذلك تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا ومصر.
وأشار التقرير إلى أن كل جولات التفاوض، التى استضافتها جدة والرياض وأديس أبابا، فشلت فى تحقيق أى اختراق، ويرى الخبراء أن غياب الثقة بين الأطراف، وتضارب مصالح القوى الإقليمية، يجعلان أى تسوية سياسية قريبة أمراً مستبعداً، وفى هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين قوله: «كل طرف فى السودان يعتقد أنه قادر على الحسم العسكرى، لكن الحقيقة أن ما يجرى الآن هو حسم ضد الشعب السودانى وحده»، ومع اتساع رقعة المأساة، تزداد الدعوات إلى تدخل إنسانى عاجل لحماية المدنيين فى دارفور، إما عبر إنشاء ممرات آمنة، أو فرض منطقة حظر جوى فى غرب السودان، غير أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية قوية من واشنطن، ودعماً من حلفائها الأوروبيين والعرب، وهى إرادة لم تظهر بعد.
«فورين أفيرز»: صور الأقمار الصناعية تظهر «برك دماء».. والضغوط الأمريكية وحدها يمكنها وقف المعارك بين الجيش وقوات «الدعم السريع»
واختتمت «فورين أفيرز» تقريرها بالقول إنه بعد مرور أكثر من عقدين على مجازر دارفور الأولى، يعود المشهد الدموى من جديد، لكن هذه المرة وسط عالم أكثر اتصالاً وتقدماً فى تقنياته، وأقل إنسانية فى تفاعله، فالمجازر التى كانت تُرتكب فى الظلام عام 2003 تُوثَّق اليوم بالبث الحى من هواتف القتلة أنفسهم، وتُرصد بعيون الأقمار الصناعية التى ترى كل شىء، ومع ذلك يظل العالم عاجزاً عن وقف الدماء، وكتبت الصحيفة: «ما يجرى فى دارفور ليس مجرد صراع على السلطة فى بلد منكوب، بل اختبار قاسٍ لقدرة الضمير الإنسانى على الصمود أمام مشهد الإبادة فى القرن الحادى والعشرين»، وبينما تتعالى الصرخات من مخيمات النزوح، يبدو أن الوقت قد حان لأن تتحرك واشنطن، كما تقول المجلة، «قبل أن يتحول السودان كله إلى مقبرة جماعية أخرى، يضيفها التاريخ إلى قائمة العار الإنسانى الطويلة».