فى زمنٍ تُختزل فيه المشاعر فى رسائل إلكترونية عابرة، وتُقاس فيه العلاقات بعدد التعليقات والإعجابات، وترتفع فيه نسب الانفصال والطلاق إلى مستويات غير مسبوقة، تبقى هناك حكايات استثنائية تؤمن بأن الحب ليس صدفةً عابرة، بل عُمر يُبنى ويعاش. تلك الحكايات التى استمرت لأعوام طوال، لم تُفشلها «الحياة» بكل ما فيها من اختبارات وصعاب، ولم يُنهِها «الموت» عندما غاب أحد الطرفين بجسده؛ لكن بقى بسيرته التى لا تُنسى وذكرياته التى لا تسقط من الذاكرة.
هدايت تيمور تروى قصة حبها مع الأستاذ هيكل: «شايفاه قدامى لحد النهارده.. وباسمع صوته فى ودانى.. وحبنا بيزيد كل يوم حتى بعد الرحيل»
هدايت تيمور تروى قصة حبها مع الأستاذ هيكل: «شايفاه قدامى لحد النهارده.. وباسمع صوته فى ودانى.. وحبنا بيزيد كل يوم حتى بعد الرحيل»
حوارات تروى تجارب ناجحة لم تُفشلها الحياة ولم يُنهِها الموت
تصوير : عبدالحميد عيد
هنا، محاولة لإعادة اكتشاف معنى «أنت عمرى» الذى عبرت عنه كوكب الشرق السيدة أم كلثوم فى إحدى أشهر أغنياتها التى جمعتها مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، هذا المعنى الذى لم يقتصر على الأغنية فقط، بل عاشه من صدقوا القول والفعل معاً؛ لتتحول قصص حبهم إلى عمر، وتجاربهم إلى حياة.
هنا، لا نحتفى بالحب كحالة رومانسية فقط، بل كقيمةٍ إنسانية تحفظ التوازن بين العاطفة والعقل، بين الحلم والواقع، عبر سلسلة من الحوارات الإنسانية التى تتناول حكايات عن الحب والهوى لا فى بدايتها المبهرة فقط، بل فى صمودها أمام العواصف، وفى العطاء قبل الأخذ. أبطال تلك الحكايات يتنوعون الاهتمامات والمهن، من السياسة إلى الإعلام، ومن الفن إلى الثقافة، فى كل علاقة طرفٌ غاب، وآخر لا يزال يحفظ السر، ليسرد لنا الحكاية من لحظة اللقاء الأول، إلى لحظة الغياب الأصعب.
وصلتُ إلى البيت المطل على النيل، عن يمينى النهر والبرج ومشهد يجمع بين الهيبة والجمال لوسط القاهرة، وعن يسارى عقار شاهق على مدخله لوحة نحاسية مكتوب عليها: «هنا عاش محمد حسنين هيكل».. عاش فى موقع يطل على قلب العاصمة، كما عاش حياته دوماً مطلاً على قلب الأحداث. صعدت إلى الطابق الرابع، وبعد دقة جرس واحدة فُتح الباب، وكانت السيدة «هدايت تيمور» فى انتظارى بغرفة استقبال الضيوف تجلس على نفس المقعد الذى تحب أن تجلس عليه دائماً، وأمامها مباشرة مقعد آخر خالٍ بجواره صورة للأستاذ «محمد حسنين هيكل»، وبعض أدواته الشخصية مثل «مقص السيجار».. سيدور أحد أسئلتى عن هذا المقعد المقابل.
هيكل فى البيت غير هيكل فى الصحافة والسياسة.. كان شخصاً رومانسياً وعاطفياً جداً وسط عائلته.. وشجعنى على دراسة الماجستير
جلست على الأريكة المجاورة أتطلع إلى محاورة السيدة التى وصفها الأستاذ هيكل فى وصيته بأنها «أكرم ما أعطته الدنيا له». كان اتفاقنا منذ البداية ألا يدور الحديث عن الصحافة، ولا عن السياسة، ولا عن الصحفى العربى الأشهر فى القرن العشرين.. بل عن الحبيب والزوج. كنت متطلعاً أن أستمع إلى قصة حب بدأت قبل أكثر من سبعين عاماً، ولا تزال مستمرة إلى اليوم، لم ينهها الموت!
اللقاء الأول بيننا جاء بالصدفة فى مكتب مصطفى أمين عام 1954.. وفنجان القهوة وقع من يدى فى الاجتماع.. وشعرت بمحبة فى قلبى تجاهه لا أعرف سببها
فى جلسة دافئة ملأها الحنين والأشواق، فتحت السيدة هدايت تيمور، زوجة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، صندوق ذكرياتها، لتكشف عن وجه إنسانى ورومانسى لم يعرفه الكثيرون عن «الأستاذ». فبعيداً عن عواصف السياسة، ومعارك الصحافة، كان هناك رجل آخر، زوج محب وأب حنون، نسجت معه قصة حب بدأت بفنجان قهوة مسكوب فى مكتب «مصطفى أمين»، أحد أبرز الصحفيين المصريين، ومؤسس صحيفة «أخبار اليوم».
■ اللقاء الأول: فنجان القهوة المسكوب
عام 1954، فى مكتب الكاتب الصحفى مصطفى أمين، كانت السيدة هدايت تيمور، الشابة المتطوعة حديثاً آنذاك فى العمل الاجتماعى والخيرى، قد ذهبت بصحبة السيدة «استقلال راضى»، إحدى رائدات العمل الاجتماعى فى مصر، لمناقشة تأسيس جمعية لرعاية الفتيات الكفيفات. كان هدف الزيارة الحصول على دعم صحفى من «أخبار اليوم» لهذا المشروع الإنسانى الذى سيتوج فى وقت لاحق تحت اسم «النور والأمل».
مر بعض الوقت، ثم انضم إلى الاجتماع شاب صحفى فى ثلاثينات عمره، بعد أن اتصل به «مصطفى أمين» طالباً حضوره لدعم هذا المشروع، دخل الشاب الصحفى إلى المكتب، وجلس بصحبة الحضور، وبدأ يستمع إلى الفكرة باهتمام شديد، لكن لفت نظره الفتاة العشرينية التى سألها عن اسمها، فارتبكت، وانسكب من يدها فنجان القهوة، تقول «هدايت تيمور»، فى حوارها لـ«الوطن»، عن هذا اللقاء الأول: «لا أعرف ماذا حدث، رأيت شاباً منظماً ودقيقاً ويستمع إلينا جيداً ويتحدث بلباقة وبطريقة علمية، ثم سألنى عن اسمى، وقال لى: هل أنتِ سكرتيرة الجمعية؟ فارتبكت ووقع فنجان القهوة من يدى، ثم قال أحد الحضور إن وقوع القهوة خير، وبعدها طلب هذا الشاب الصحفى أن ننتقل جميعاً إلى مكتبه لنستكمل الحديث عن مشروعنا الاجتماعى الخيرى.
سألتها: «هل كان ذلك حباً من أول نظرة، بحسب ما يسميه البعض؟»، ابتسمت السيدة «هدايت تيمور»، وبدا فى عينيها بريق الحب، كأن هذا اللقاء كان بالأمس ولم يمر عليه أكثر من سبعين عاماً، ثم قالت: «لا أعرف ماذا أقول؟.. الحقيقة إن أنا اتشديت له جداً، ليس لأنه كان رجلاً وسيماً أو رجلاً غنياً، ولكن لأسباب أخرى ربما لا أستطيع أن أحددها. الحب حاجة بتاعة ربنا، وأنا حسيت بمحبة فى قلبى تجاه محمد من أول لقاء، وحسيت إن ده الراجل اللى هيسعدنى، وهعيش حياتى سعيدة معاه لو ربنا أراد».
■ طلب زواج ومقال نعى
تحكى «هدايت» أنه عقب هذا اللقاء الأول، تم إجراء اجتماع ثانٍ فى مكتب الأستاذ هيكل، ثم اجتماع ثالث، وأنها كانت حريصة على المشاركة فى هذه الاجتماعات من أجل جمعية الكفيفات، وأيضاً حتى تتسنى لها الفرصة لرؤية هذا الشاب الذى حاز جزءاً من قلبها سريعاً، إلى أن طلبت منها والدتها الاكتفاء بهذا الدور، وعدم الذهاب إلى الصحيفة مجدداً، فتقول: «والدتى لم تكن متعلمة، لكنها كانت سيدة قوية، وتشارك والدى فى إدارة البيت، كان والدى صاحب أراضٍ وأملاك، وأمى سيدة منزل قوية تهتم بتربية أبنائها الستة، قالت لى لا تذهبى إلى الصحيفة مجدداً، فأطعتها ولم أذهب. وفى الاجتماع الرابع لتأسيس جمعية رعاية الكفيفات لم أحضر، لكن استقلال راضى كانت سيدة نبيهة وذكية، فأخبرتنى بعد الاجتماع أن الصحفى الشاب محمد حسنين هيكل كان مهتماً بالسؤال عنى ومنشغلاً بعدم حضورى، وأنا شايفة إنه رجل محترم وساعدنا فى تأسيس الجمعية وقدم لنا خدمة العمر، حيث أعطانا جواباً بتوقيع الرئيس جمال عبدالناصر يتبرع فيه بمبلغ 5 جنيهات لصالح الجمعية، وهذا الأمر سيشجع الجميع للتبرع للجمعية ودعمها، ثم قالت لى إنه بجانب هذه المساعدة للجمعية، فأنا أشعر بشىء آخر من ناحيته تجاهك، كنت سعيدة بكلامها جداً، وهنا قررت أن أتخذ خطوة لأننى لن أراه مرة ثانية».
قضت «هدايت تيمور» ليلة كاملة تفكر فيما يجب أن تفعله، حتى قررت مع صباح اليوم التالى، وتحديداً الثالث من نوفمبر 1954، هذا الصباح الذى سوف يكون شاهداً على قصة حب كبرى، أن تمسك بسماعة الهاتف الأرضى فى منزلها، وتتصل برقم مكتب الأستاذ هيكل بعد أن حصلت عليه من إدارة الصحيفة. تستعيد ذكريات المكالمة الهاتفية الأولى وهى تبتسم، فتحكى: «كلمته فى التليفون، ورد عليا، عرفنى من صوتى على طول، قال لى ازيك يا هدايت، كنت متوترة جداً، بس لاقتنى باقول له بشكل مباشر وواضح: يا أستاذ محمد انت ناوى تتجوزنى؟». تتوقف «هدايت» عن الحكى، وتضحك حتى تدمع عيناها من الضحك، يختلط على وجهها الحب مع الحنين مع شىء من الخجل كأنها عادت فتاة فى مقتبل عمرها، بعد قليل تواصل سرد تفاصيل تلك المكالمة الأولى: «اتفاجأ من السؤال طبعاً، وبعدين قال لى بلطف: بس يا هدايت أنا باكتب الآن مقال نعى للصحفى محمود عزمى، وبعدين عبّر لى عن سعادته بمكالمتى، وقال لى: «انتى فرّحتينى يا هدايت رغم الخبر الحزين بوفاة محمود عزمى. لكن طبعاً أنا الآن سعيد وأريد أن أقابل والدك لأطلب يدك».
■ الهدية الأولى.. مصحف فلسطين
عقب هذا الاعتراف المبهج، كانت الفتاة التى تقف على أعتاب قصة حبها الأول على موعد للقاء الصحفى الشاب فى «أمسية شاى» نظمتها السيدة استقلال راضى فى منزلها بحضور عدد من المتطوعات بجمعية النور والأمل التى كانت لا تزال تحت التأسيس، تحكى «هدايت» عن هذا اللقاء قائلة: «مدام استقلال نظمت اللقاء خصيصاً علشان نتقابل أنا ومحمد، والحقيقة هى كانت سيدة عظيمة وأدين لها بفضل كبير لأنها كانت سبباً من أسباب علاقتى بالأستاذ هيكل. ذهبت إلى أمسية الشاى فى منزل مدام استقلال، وفوجئت بأنه وصل قبلى، وجاء إلىّ وصافحنى، ثم بعد قليل قال لى: يا هدايت تعالى نطلع فى البلكونة، أتذكر هذا اليوم كأنه بالأمس، الجو كان جميلاً نهاية الخريف أو أول الشتاء، ثم اعترف لى بحبه منذ أول لقاء جمع بيننا، يعنى أنا وهو وقعنا فى حب بعض من أول لقاء، كنت أشعر بخجل شديد وقتها، ولا أتحدث كثيراً، أنظر إليه وأكتفى بأن أبتسم، ثم أخرج من جيب سترته مصحفاً صغيراً مذهباً، وقال لى: هذه هديتك الأولى منى»، اندهشت «هدايت» من الهدية التى لم تكن متوقعة، فلماذا يحتفظ صحفى شاب بمصحف صغير مذهب فى سترته؟ ولماذا يختار أن يكون هذا المصحف هو هديته الأولى للفتاة التى أحبها؟ توالت الأسئلة فى ذهن «هدايت»، ثم قررت أن تطرح عليه ما يدور فى رأسها، فتقول: «سألته عن السبب، خاصة أنه لا يظهر عليه أى ميول لجماعات دينية مثلاً، فأجابنى بأن هذا المصحف كان معه فى حرب فلسطين عام 1948، أثناء مشاركته فى تغطية الحرب صحفياً، وأنه يتفاءل بهذا المصحف جداً، ولا يفارق جيبه أبداً، خاصة أنه كاد يموت فى أحد الأيام أثناء وجوده فى الفالوجة بفلسطين، ونجا من الموت، وكان فى جيبه هذا المصحف، ولذلك هو يتفاءل به، وأراد أن يهديه لى تعبيراً عن حبه.
اعترف لى بحبه فى بلكونة وأعطانى مصحفاً مذهّباً وقال لى: «أنا أتفاءل جداً بهذا المصحف لأنه رافقنى فى فلسطين وشهد على نجاتى من الموت»
بعد عودتها إلى المنزل، فاتحت «هدايت» والديها بطلب الصحفى الشاب الذى يريد أن يتقدم لطلب الزواج منها، إلا أن والدتها كانت لديها بعض المخاوف من ارتباط ابنتها بصحفى، بحسب ما تحكيه «هدايت»، تقول: «والدتى كانت معترضة بعض الشىء، تخوفاً من حياة الصحفيين وانشغالاتهم وارتباطهم بأحداث وفئات متنوعة داخل المجتمع، لكنى أصريت على الأمر، وقلت إننى أشعر بأن هذا هو الرجل الذى سوف يسعدنى فى حياتى، فرحب والدى بالأمر، وقال: ندعوه يجلس معنا نتحدث ثم نرى، وبالفعل جاء الأستاذ هيكل إلى بيتنا، لم يكن غنياً أو صاحب أملاك أو مسئولاً كبيراً فى البلد، لكنه كان شاباً منضبطاً ولبقاً ومنظماً ويظهر عليه الطموح والإشراق والثقافة والاحترام الشديد، يمكن أن يحوز احترام أى شخص بمجرد أن يجلس معه ويتحدث، وبالفعل حاز تقدير واحترام أسرتى وحدث القبول وتمت خطبتنا فى نوفمبر 1954، ثم تزوجنا بعد فترة خطوبة سريعة فى يناير 1995، وبدأت رحلة الزواج التى استمرت عقوداً طويلة، وهذه هى أجمل رحلة فى حياتى».
■ هيكل فى البيت.. العاطفة أقوى من العقل
تحول محمد حسنين هيكل فى عينى «هدايت تيمور» وقلبها من صحفى شاب طموح، إلى حبيب، ثم إلى زوج ملأ حياتها سعادة، بحسب وصفها. تقول السيدة هدايت إن محمد حسنين هيكل، الذى يعرفه الملايين عبر مقالاته وتحليلاته السياسية ولقاءاته على التليفزيون، لم يكن هو نفسه الرجل الذى يعيش بين جدران منزله، فالأول أكثر صرامة وانضباطاً، والثانى أكثر حنواً وليناً، تقول: «الناس ترى الأستاذ هيكل صارم شوية، وجامد شوية فى الشغل، رجل معلومات وتحليلات، ويتحدث بالعقل دائماً لا بالعواطف، لكنه داخل البيت حاجة تانية، حنين أوى أوى، وعطوف جداً، عاطفته جياشة، يعنى مش صارم زى ما الواحد بيشوفه فى كلامه عن السياسة، بالعكس، صوته هادئ، يميل للاستماع والنقاش، لا يفرض رأيه أبداً.
تعتبر السيدة هدايت أن «التفاهم المتبادل» هو حجر الزاوية فى نجاح تلك العلاقة على مدار عقود، فبدون تفاؤل قد يضيع الحب بحسب قولها، تقول: «كنا متفاهمين جداً، أعتقد ده اللى خلانا ننجح، كنت أدعمه قدر المستطاع حتى أهيئ له الظروف المناسبة لينجح فى عمله، وكان هو أيضاً يدعمنى دائماً، أذكر أنه هو من دفعنى لاستكمال دراستى، ثم شجعنى على خطوة الحصول على الماجستير فى الآثار».
هذا الوجه الآخر للأستاذ هيكل لم يكن وجهه كزوج فقط، لكن كأبٍ أيضاً، ثم كجد فى مرحلة لاحقة، تقول السيدة هدايت: «الحنان والدعم والمحبة، كل هذه الأشياء لم تكن تظهر فى تعامله معى فقط كزوجته، لكن مع أبنائه وأحفاده بشكل خاص، محمد كان يحب الأطفال جداً، وعاش مرتبطاً بهم ارتباطاً وثيقاً، أقدر أقول إنه كان ضعيف جداً قدام الأطفال، هذه هى لحظات الضعف الوحيدة التى يمكن أن أرى فيها محمد، حين يصبح وسط الأطفال».
■ هذا بيتى الحقيقى.. الوقوع فى حب برقاش
امتلك «هيكل» أكثر من منزل فى محطات مختلفة من حياته، من حى الزمالك إلى حى الدقى، ومن الغردقة إلى الساحل الشمالى، لكن من بينها جميعاً كان لبيته فى برقاش مكانة خاصة جداً، تقول السيدة هدايت: «برقاش أكثر من مجرد منزل، كان هو الملاذ لقلبه، والمملكة التى بناها هيكل بنفسه، أول حاجة امتلكها فعلاً، وظل حتى آخر يوم يحمل بيت برقاش فى قلبه، كان هو المكان الذى يشعر فيه بالسكينة والحرية، بعيداً عن صخب القاهرة وأضواء السياسة، كان دايماً يقول: برقاش هى بيتى». حب هيكل لبرقاش كان استثنائياً، لدرجة أنه احتل مساحة واسعة على أوراق وصيته ذات الصفحات العشر، أشار إلى بيت برقاش أكثر من مرة، البيت مصمم على نظامٍ ريفى، ملىء بالأشجار والنباتات والحدائق، تقول «هدايت»: «كان يقول بيت برقاش هو جنتى التى أحب أن أجلس فيها، كان يحفظ أسماء النباتات والأشجار وأنواع الزهور من حوله، وأهدانى فى برقاش أجمل هدية فى حياتى، وهى حقل زهور، وذلك فى أحد أعياد ميلادى، قال لى: هذه هديتك، وأطلق على هذا الحقل من الزهور اسم: جنة هدايت، وضع عليه لوحة نحاسية تحمل اسمى».
■ كرسيه خالٍ.. لكن روحه تملأ المكان
كانت العاطفة تسيطر على ملامح السيدة هدايت أثناء حديثها، الحب لا يظهر فى كلماتها فقط، لكن فى عينيها أيضاً، بعد حديثنا عن بيت برقاش، توقفت قليلاً، بدت لمعة فى عينيها، حدّقت فى الكرسى الخالى الذى أمامها، ثم قالت: «حاسة إنى شايفاه دلوقتى.. شايفاه على الكرسى ده، كان دايماً بيقعد هنا وقت القراءة، هو ده الكرسى بتاعه، وشايفاه قدامى». بجوار الكرسى منضدتان، تحمل منضدة اليسار صورته، وتحمل منضدة اليمين بعض أشيائه الخاصة، منها مقص السيجار، وطفاءة السجائر، وخلف هذا الكرسى الأنيق مكتبة ضخمة تحمل مئات الكتب فى مجالات متنوعة، من السياسة إلى التاريخ، ومن الفلسفة إلى الأدب، أما فى الجهة الأخرى من الغرفة إطلالة بديعة على نهر النيل، كل شىء بدا كأنه مهيأ للأستاذ، وكأنه لم يغادر هذا البيت منذ أكثر من تسع سنوات.
سألتها: هل الحب ما زال كما كان عندما التقيتما فى مكتب مصطفى أمين؟.. هل الشوق هو هو، والمشاعر هى هى؟.. شردت قليلاً، ثم ضحكت، ثم قالت: «بل أكثر جداً، الحب الحقيقى يزيد كل يوم، والشوق الحقيقى لا ينطفئ أبداً».
بعد تلك الإجابة، أغلقت دفترى، ووضعت قلمى، ثم سألتها سؤالى الأخير عن أكثر الكلمات التى كانت محببة لأذنيها، وتحب أن يرددها الأستاذ هيكل دائماً، لم تأخذ وقتاً فى التفكير، اختارت الزوجة اسمها، فأجابتنى: «هدايت.. هذه أكثر كلمة أحببتها، أن ينطق اسمى، كان يقول: يا هدايت، لكن ليس كباقى الناس، كان ينطقها بطريقة مميزة، إلى الآن صوته يتردد فى أذنى».
حادث «برقاش»
تتذكر السيدة هدايت اليوم الذى تصفه بـ«المأساوى» حين التهمت النيران منزل برقاش بعد الهجوم عليه من بعض المتطرفين أثناء عواصف 2013 بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان، تقول: «حريق مأساوى التهم جزءاً كبيراً من الفيلا والمكتبة، كان الألم عميقاً، رأيت الحزن يعتصر قلبه فى هذا اليوم عندما أخبروه بالهاتف، والحمد لله أننا لم نكن فى المنزل، لم يتحدث ولم ينفعل، لكنه كان حزيناً لدرجة لا يمكن وصفها، هذا المكان شهد أجمل سنوات عمرنا، وهو أقرب الأماكن إلى قلب هيكل بدون نزاع».
