أقدم «بائع وظائف»
هل سمعت عن شخص يفرض نفسه وزيراً على خليفة أو ملك أو سلطان؟ الوزير «طلائع بن رزيك» كان كذلك، كيف لا يفعل وعمر الخليفة الذى استوزر عليه لم يزد على 5 سنوات؟ وهو الخليفة «الفائز» الذى تولى الحكم الفاطمى بعد مقتل أبيه «الخليفة الظافر». كان طلائع بن رزيك الحاكم الفعلى للبلاد، والطفل الجالس فى قصر الخليفة -لا يدرى سماه من عماه- مجرد صورة.
استغل «ابن رزيك» حالة الفراغ التى سادت السلطة بعد مقتل «الظافر» أسوأ استغلال، إذ سيطر على كل شىء، وأصبح الآمر الناهى فى البلاد، والمانح المانع فيها، وكانت المواقع الوظيفية أكثر ما تتحلب عليه شفاه الطامحين المحيطين به، خصوصاً حكم الولايات المصرية، حيث كان ينهب هؤلاء من الأقاليم المصرية الكثير، تبعاً لدرجة ثراء كل إقليم، وكان «ابن رزيك» يعلم المكاسب والمغانم الكثيرة التى سيحصل عليها هؤلاء، وقد أراد أن يربح هو الآخر من الموقف، فوضع تسعيرة لكل وظيفة، بحيث يحصل على حقه مقدّماً. يقول «ابن تغرى بردى» فى كتابه «النجوم الزاهرة»: «باع طلائع بن رزيك الولايات للأمراء، وجعل لها أسعاراً، ومدتها ستة أشهر، فتضرّر الناس من تردّد الولاة عليهم كل ستة أشهر».
الوزير «ابن رزيك» هو أقدم «بائع وظائف» فى التاريخ الإسلامى، وقد استغل فى ذلك سيطرته على أحشاء الدولة، ويده المطلقة فى صناعة القرار فيها، وقد تكرّرت تجربته بعد ذلك فى عصر الخديو إسماعيل على يد وزير ماليته «إسماعيل المفتش»، الذى اشتُهر عنه أيضاً أنه كان يبيع الوظائف العليا فى البلاد، ويقبض الثمن، وراكم من ذلك ثروة كبيرة.
لم يكن «ابن رزيك» مجرد بائع كبير للوظائف، بل كان بالإضافة إلى ذلك يسطو على فقراء الشعراء، ويشترى منهم إبداعهم بتراب الفلوس وينسبه إلى نفسه، مستغلاً حاجة المبدعين المعدمين إلى المال. يذكر «ابن تغرى بردى» فى كتابه «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» أن الغالب أن شعر «ابن رزيك» مبتاع من شاعر اسمه «ابن الزبير»، أو فى أقل تقدير كان الأخير يُصلح له شعره. والشاعر «ابن الزبير» هو: الحسن بن على بن إبراهيم بن الزبير الملقب بالقاضى المهذب. كان كاتباً مليح الخط، حسن العبارة، جيد الألفاظ، واختص بالصالح «ابن رزيك»، ويقال إن أكثر الشعر الذى فى ديوان الصالح إنما هو من شعر المهذب.
ركب طلائع بن رزيك السلطة كوزير أول وتحول من هذا الموقع إلى السيطرة الكاملة على البلاد، وانتهى به الحال إلى إعلان نفسه ملكاً ولقّب نفسه بـ«الملك الصالح»، وظل يتاجر فى كل شىء ويحصد المال ويراكمه تلالاً، حتى أتت لحظة قرّرت فيها عمة الخليفة الانتقام منه، فاستأجرت من يقتله، وبالفعل تم طعنه فى قصر الخلافة، فتهاوى إلى الأرض، وحُمل إلى غرفته مصاباً، وظل بضعة أيام كذلك، ثم وافته المنية، وانتهت قصة واحد من أخطر الوزراء الذين ظهروا فى «المحروسة».