وليد خيري يكتب: عن الجريمة التي ارتكبها الجميع بدافع الحماية.. قراءة في فيلم «بنات الباشا»
وليد خيري يكتب: عن الجريمة التي ارتكبها الجميع بدافع الحماية.. قراءة في فيلم «بنات الباشا»
في فضاءات التلقي السينمائي المعاصر، لم يعد الفيلم مجرد سرد حكائي خطي يهدف إلى التسلية أو حتى التطهير الأرسطي التقليدي، بل تحول إلى وثيقة بصرية وفلسفية تعيد تشكيل الوعي بالواقع، وفيلم «بنات الباشا» يقف نموذجا صارخا لهذا التحول، حيث يغادر بنا منطقة الراحة المعتادة في السينما المصرية المتمركزة حول العاصمة، ليلقي بنا في أتون «الهامش» الجغرافي والنفسي في مدينة طنطا، طارحا أسئلة وجودية لا تتعلق فقط بموت امرأة، بل بموت المعنى في حياة نساء يعشن على حافة الهاوية.
إن مقاربة هذا العمل تقتضي استدعاء أدوات نقدية تتجاوز الانطباع الأولي، لنتأمل كيف تحولت الكلمات في رواية نورا ناجي إلى أجساد وضوء في سيناريو محمد هشام عبيه، وكيف يمارس المكان سلطته، وتفرض النظرة المجتمعية سطوتها.
لعل المدخل الأكثر مشروعية لتفكيك هذا العمل يكمن في استحضار نظرية المنظرة الكندية «ليندا هيتشون» حول الاقتباس؛ ففي كتابها المرجعي «نظرية الاقتباس»، تؤكد هيتشون بأنّ العمل المقتبس ليس مجرد نسخة ثانوية أو خيانة للنص الأصلي، بل هو عملية تكرار مع اختلاف، وحوار تناصي خلاق يعيد إنتاج المعنى في وسيط جديد.
هنا، لا يمكن النظر إلى سيناريو محمد هشام عبية بوصفه مجرد نقل حرفي لرواية نورا ناجي، بل هو عملية تحويل سيميائي معقدة؛ فالرواية التي تعتمد بطبيعتها على الاستبطان الداخلي وتيار الوعي واللغة الوصفية، تحولت على يد عبيه وعدسة المخرج محمد العدل إلى صورة زمن بامتياز، حيث الزمن لا يمر بل يتراكم، والماضي (الفلاش باك) يقتحم الحاضر ليخنقه.
لقد نجح صناع الفيلم في القبض على الروح الكافكاوية في نص نورا ناجي، تلك الروح التي ترى العالم ككابوس بيروقراطي واجتماعي لا فكاك منه، لكنهم أعادوا صياغتها بلغة بصرية تجعل من صالون التجميل فضاء يقع خارج الزمن العادي، مكانا له قوانينه الخاصة، يجمع المتناقضات (الجمال والموت، الزينة والجثة) في حيز واحد خانق.
إن شجاعة شركة الإنتاج (ريد ستار) والمنتجين باهو بخش وصفي الدين محمود، لا تكمن فقط في التصدير الإنتاجي السخي، بل في القرار السوسيولوجي الواعي بالخروج من المركزية القاهرية.
لطالما نظرت السينما إلى بعيدا عن المدينة الكبيرة القاهرة نظرة فلكلورية، لكن «بنات الباشا» يقدم لنا «طنطا» كنموذج للمدينة/السجن. فبينما تمنح المدينة الكبيرة ساكنيها نوعا من إخفاء الهوية والحرية الفردية بسبب الزحام واللامبالاة، فإن المدينة الأصغر (مثل طنطا) تمارس نوعا من المراقبة الشاملة حيث الجميع يعرف الجميع، والعيون تترصد الأجساد. هذا الضغط الاجتماعي الهائل هو المحرك الرئيس للأحداث؛ فالخوف من الفضيحة في مجتمع مغلق يصبح محركا وجوديا أقوى من الخوف من الميتافيزيقا أو العقاب الإلهي.
ومن منظور سيكولوجيا المرأة والتحليل النفسي، تُعرّف المرأة دائما في علاقتها بالرجل، حتى في غيابه. شخصية «نور الباشا» تمثل «الدال الأكبر» في حياة هؤلاء النسوة، هو الغائب الحاضر الذي يدرن في فلكه. إن الصراع المحموم بين الشخصيات النسائية (جيجي، نهال، منى) ليس صراعا على رجل بقدر ما هو صراع على الاعتراف بالوجود. إنهن يمارسن أدوارا اجتماعية مفروضة عليهن؛ الزوجة، العشيقة، المتدينة، المنقذة. لكن لحظة الموت (انتحار نادية) تأتي لتمزق هذه الأقنعة، وتضعهن أمام «الواقعي» المرعب، ذلك الشيء الذي لا يمكن ترميزه أو استيعابه، وهو الجثة. إن وجود الجثة داخل مكان مخصص لصناعة الجمال هو قمة المفارقة الفلسفية؛ فالجمال محاولة للخلود ومقاومة الزمن، بينما الجثة هي انتصار الزمن والنهاية. محاولة النساء إخفاء الجثة ليست مجرد جريمة، بل هي محاولة يائسة لإنكار الموت، وللإبقاء على «وهم» الحياة المستقرة التي يعشنها.
إن قرار نورا ناجي الروائي، الذي التقطه محمد هشام عبيه ببراعة ومهارة، بجعل «الصالون» هو مسرح الأحداث، يحيلنا إلى رمزية المكان الحميمي عند جاستون باشلار، لكنه هنا مكان حميمي مسموم. إنه المكان الذي تتعرى فيه النساء من دفاعاتهن النفسية، وحيث تتحول أدوات التجميل إلى أدوات تنكر. شخصية نادية، التي تنتحر، تمثل في الفلسفة الوجودية «الإنسان المتمرد» الذي يرفض عبثية الشرط الإنساني، لكن تمردها يأخذ شكلا تدميريا للذات. إنها تجسد مأساة الرعاية، حيث ينتظر من المرأة أن تكون راعية للآخرين على حساب ذاتها. نادية ماتت لأنها استنفدت مخزون الرعاية لديها، وتحولت إلى قربان في طقس اجتماعي لا يرحم. ومأساة الأخريات تكمن في عجزهن عن إنقاذها، وهو عجز نابع من هشاشتهن الخاصة.
لا يمكننا قراءة ما أنجزه السيناريست محمد هشام عبيه بوصفه مجرد نقل ميكانيكي للسرد الروائي إلى لغة السينما، بل هو تفكيك واع لبنية النص الأدبي وإعادة هندسته دراميا ليتناسب مع قسوة الصورة؛ فقد استطاع عبيه بحرفية عالية أن يحول تيار الوعي الداخلي والمونولوجات النفسية المعقدة التي ميزت رواية نورا ناجي إلى فعل درامي مرئي وحوارات مشحونة بالدلالات، متجاوزا فخ الثرثرة لصالح التكثيف السينمائي، وخالقا توازنا دقيقا بين الخطوط الزمنية المتشابكة دون أن يفقد المشاهد خيط التعاطف مع الشخصيات.
وعلى التوازي، جاءت الرؤية الإخراجية لمحمد العدل لتكمل هذه اللوحة القاتمة، حيث تعامل مع حيز صالون التجميل الضيق ليس كديكور، بل كمعادل موضوعي للسجن النفسي الذي تعيشه النساء؛ فاستخدم العدسات وزوايا التصوير ليخلق حالة من الاختناق البصري التي تجبر المتلقي على الشعور بوطأة المكان، ونجح في إدارة حركة الممثلين داخل هذا الحيز المحدود ببراعة جعلت من التوتر عنصرا ملموسا، محولا النص المكتوب إلى تجربة حسية خانقة تترجم بصريا معنى أن تكون امرأة محاصرة في مجتمع يراقب الأنفاس، حيث يتواطأ الجميع على كذبة واحدة لتستمر الحياة. العدل استطاع بصريا، عبر استخدام الإضاءة الخافتة والظلال والكادرات الضيقة، أن ينقل هذا الإحساس بالاختناق. الكاميرا لا تدين، بل تراقب بأسى، مفككا النظرة الذكورية السائدة في السينما؛ فالكاميرا هنا لا تتلصص على أجساد النساء للمتعة، بل تخترق الجسد لتصل إلى الروح المعذبة، كاشفة عن القبح الكامن تحت طبقات المساحيق.
إن الميلودراما في «بنات الباشا» ليست سُبّة، بل هي وسيلة تعبيرية، إن الخيال الميلودرامي هو وسيلة لكشف الخبيء الأخلاقي في عالم فقد قدسيته. الفيلم يستخدم المشاعر الفياضة والمواقف الحدية (الانتحار، التفجير، العلاقات السرية) ليقول ما لا يمكن قوله بالمنطق البارد. إنه يصرخ في وجه مجتمع يجبر النساء على الاختيار بين الموت البيولوجي أو الموت الاجتماعي.
استخدام عام 2017 كخلفية زمنية، يضيف بعدا ديستوبيا للعمل؛ فهو عام القلق العام، ما يجعل القلق الخاص داخل الصالون صدى لقلق أكبر يهمين على الوطن بأكمله.
يمكن القول إن «بنات الباشا» تجربة سينمائية تتجاوز حدود الحكاية لتلامس تخوم الفلسفة، ومحاكمة بصرية لقيم المجتمع الأبوي الذي يحول المرأة إلى «شيء» يملك صلاحية العرض طالما كان جميلا ومختبئا، ويلقي به في العدم بمجرد أن ينكسر. إن نجاح هذا الفيلم يقاس بقدرته على إزعاج ضمير المُشاهد، ودفعه للتفكير في تلك الجدران الصامتة في مدننا البعيدة، وما تخفيه خلفها من حكايات نساء اخترن الصمت، أو الموت، كآخر وسيلة للاحتجاج على عالم لم يترك لهن سوى خيار الطاعة أو الفناء.