دولة التلاوة.. عودة الروح

سمير عمر

سمير عمر

كاتب صحفي

كنا أطفالاً نمرح فى ساحة المسجد الكبير، وعيوننا ترقب مدخل المسجد خوفاً من أن يضبطنا الشيخ «حسن» متلبسين باللهو، وهو العابس دوماً الذى لا تفارق عصاه قبضة يده اليمنى، فمعنى ذلك أن العصا ستسجل حضوراً سريعاً على أجساد من يلحق به قبل وصوله إلى المكان المخصص لجلوسنا.

كان صوته المتحشرج وسعاله المتكرر كفيلين بأن يبثا فى نفوسنا الرعب، أما إذا أخطأ أحدنا فى تلاوة ما تيسر من القرآن فى جلسات «التسميع» اليومية فلا أقل من عقاب يترك آثاره العميقة على كفيه الصغيرين.

لم أستمر فى «كُتّاب» مسجد العشيرة المحمدية كثيراً بسبب عنف الشيخ حسن، وإن بقى قلبى الصغير معلقاً بهذا المسجد وشيخه العالم الجليل الشيخ محمد زكى إبراهيم.

فى مسجد السلطان برقوق كانت المحطة الثانية حيث «كُتّاب» الشيخ قناوى المقرئ الصعيدى خفيف الظل، كان «كفيفاً» غير أن عصاه لم تكن لتخطئ هدفها أبداً، حتى لو كان هذا الهدف طفلاً محشوراً بين نحو عشرين طفلاً يرددون خلفه ما يُحفظنا من آيات الذكر الحكيم.

بعدها بسنوات جاء دور «العميد يحيى» كان عميداً بالقوات الجوية، لكنه نذر وقته لتعليمنا أحكام التلاوة فى مسجد العشيرة المحمدية، وفى كل يوم أحد وبعد صلاة المغرب، نتحلق حول العميد يحيى لننهل من فيض علمه بأحكام التلاوة.

يا الله.. نحو أربعين سنة وأكثر مضت على ما قفز إلى ذاكرتى كأنه بالأمس، والفضل فى ذلك يعود لبرنامج «دولة التلاوة» الذى تابعت حلقاته مستمتعاً بكل تفاصيله، وأنا أردد بعد سماعى تلاوة القرآن من المتسابقين كباراً كانوا أو صغاراً «الله يفتح عليك يا مولانا».

نعم مولانا، فكل من وعى القرآن وقرأه مرتلاً أو مجوداً، يستحق لقب مولانا، فالقرآن يزين رأس من يحفظه بتاج لا يضاهيه تاج.

زفة الخاتمة

فى ذاكرتنا الشعبية ما كان يعرف بـ«زفة الخاتمة» وهى تعنى الاحتفال بمن تمكّن من حفظ القرآن كاملاً، وكان الاحتفال كما تقول الروايات الشعبية يبدأ بعد أن يختبر «سيدنا» محفظ القرآن، الصبى الذى أتم الحفظ، وبعد تجاوز الامتحان بنجاح يُعلن أن فلاناً ابن فلان قد حفظ القرآن، فيبدأ الأب فى الإعداد للاحتفال بوليمة مما تيسر له يدعو إليها «سيدنا» ومشايخ الحى والأهل والجيران، ثم تطوف الزفة بمن حفظ القرآن من مكان «الكُتاب» إلى منزله ومن حوله أقرانه ومن حضر من الأهل والجيران.

على هذا النحو كان الاحتفاء بحفظة القرآن، وعلى هذا النحو وعت ذاكرتنا الشعبية مكانة مُقدرة لكل من حفظ القرآن وكان مجيداً لتلاوته مرتلاً أو مجوداً، أما من حفظ القرآن بالقراءات السبع أو العشر فهو فى مكانة أعلى ومقام أرفع دون شك.

وَرْش القفطاوى

فى عام مائة وعشرة من الهجرة ولد أبوسعيد عثمان بن سعيد، فى مدينة قفط بصعيد مصر، حفظ القرآن وهو صغير، ولا تسجل سيرته ما إذا كان أبوه قد احتفل به فى «زفة الخاتمة» أم لا، لكن المؤكد أنه صار علَماً من أعلام قراءة القرآن، بعد أن ولى وجهه شطر المدينة المنورة، قاصداً الإمام المدنى نافع بن عبدالرحمن أحد الأئمة السبعة فى القراءات حسب التصنيف الأشهر الذى وضعه أبوبكر أحمد بن مجاهد التميمى البغدادى، ولقراءة الإمام نافع راويان الأول هو شيخنا المصرى أبوسعيد الملقب بوَرْش، والآخر هو عيسى بن مينا بن وردان الملقب بـ«قالون».

وإذا كان الإمام ورش هو درة تاج القراء المصريين فقد سار على دربه من بعده كثيرون، ومن بينهم صعيدى آخر هو مولانا الإمام جلال الدين السيوطى، العالم الموسوعى صاحب كتاب «الإتقان فى علوم القرآن».

دولة التلاوة

حاملين إرثاً حضارياً ممتداً لقرون طويلة، أبدع المصريون نمطاً خاصاً جداً فى تلاوة القرآن، حتى إذا ما انتصف القرن الثامن عشر كانت مدرسة التلاوة المصرية قد حفرت هذا المجرى الإبداعى المميز الذى سيدفع الباحثين إلى القول بأن القرآن نزل بمكة وقُرئ فى مصر، ومع ظهور الإذاعة بدأت أصوات المقرئين المصريين فى بسط نفوذ مدرسة التلاوة المصرية على مختلف أرجاء العالم الإسلامى، وفى عام 1961 كان العالم الإسلامى على موعد مع حدث فارق فى تاريخ تلاوة القرآن حيث كان أول جمع صوتى للقرآن الكريم بتلاوة مولانا الشيخ محمود خليل الحصرى.

حلقات ذهبية فى سلسلة طويلة من المقرئين المصريين، سجل كل صوت منهم حضوراً خاصاً بأداء لا تخطئه الآذان.

والآن وبفضل هذا البرنامج «دولة التلاوة» تتواصل الحلقات الذهبية لتعيد الروح إلى مدرسة التلاوة المصرية من جديد وتفتح أمام كل من سار فى «زفة الخاتمة» آفاقاً واسعة لنيل شرف الانتماء لدولة التلاوة المصرية، فتحية واجبة لكل من فكّر وأبدع وقدّم هذا البرنامج، وتحية للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التى تولت إخراجه للنور.

المراجع:

كتاب السبعة فى القراءات لابن مجاهد تحقيق الدكتور شوقى ضيف

كتاب الإتقان فى علوم القرآن: جلال الدين السيوطى

سيرة الظاهر بيبرس: بيرم التونسى

%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%b1%20%d8%b9%d9%85%d8%b1.jpg