محمود مرزوق يكتب: دفع الإصر عن كلام أهل مصر!
محمود مرزوق يكتب: دفع الإصر عن كلام أهل مصر!
كانت اللغة العربية الفصحى هى اللغة الوحيدة المعتبرة فى دوائر العلم والفقه والأدب منذ انتشارها فى مصر وانحسار اللسان القبطى فى القرن العاشر الميلادى، بينما ظل استخدام اللهجة العامية محصوراً فى نطاق الحياة اليومية، بعيداً عن التوثيق والتحليل والدراسة، حتى برز اسم «يوسف المغربى» الذى عاش فى القرن السادس عشر الميلادى ليكسر هذا الحاجز الصارم بين الفصحى والعامية، ويقدم عملاً فريداً بعنوان «دفع الإصر عن كلام أهل مصر»، وهو معجم صغير الحجم لكنه بالغ الأهمية، يمثل أول محاولة منهجية جادة -فى حدود ما وصلنا من نصوص- لتوثيق العامية المصرية وتحليلها وإثبات جذورها العربية الأصيلة.
وتنبع قيمة هذا العمل الاستثنائى من خلفية صاحبه الفريدة، فالمغربى لم يكن عالماً تقليدياً نشأ فى أروقة الأزهر منذ صباه، بل بدأ حياته حِرَفياً يعمل بين الصُّناع والحرفيين فى أسواق القاهرة، حيث احتك مباشرة بلغة الناس الحقيقية بكل ما فيها من مصطلحات مهنية وتعابير شعبية وتصورات متوارثة، قبل أن ينتقل إلى الأزهر الشريف ويتلقى علوم الدين واللغة والأدب، ويتفوق فيها إلى حد ارتجال الشعر والأزجال، بل ويتعلَّم التركية والفارسية، ويصبح ضيفاً دائماً على مجالس العلماء والأدباء فى القاهرة، وهذا المزيج النادر بين ثقافة الشارع وثقافة الفقه واللغة هو ما منح كتابه بُعداً استثنائياً لا يتوفر لمن عاش فى بيئة واحدة، فهو يعرف الدارجة كما تُنطق فعلاً على ألسنة الناس، ويعرف فى الوقت نفسه كيف يُحلِّلها لغوياً ويُقارن جذورها بالعربية الفصحى ويستخرج أصولها من بطون المعاجم القديمة، ولم يكن المغربى يجمع الكلمات العامية لمجرد التوثيق أو الفضول اللغوى، بل كان مدفوعاً برؤية أعمق تتمثل فى الدفاع عن شرعية هذه اللغة وإثبات أنها ليست انحرافاً أو خروجاً عن جدية الفصحى كما كان يعتقد كثير من رجال عصره، بل هى امتداد طبيعى للعربية تطور بحسب البيئة المصرية واحتياجات الناس اليومية دون أن يفقد صلته بالجذور، وقد أورد فى كتابه عشرات المفردات التى كان يتداولها المصريون فى القرن السادس عشر مثل: طبطب، دعبس، كشّر، تأتأ، جَه، كركب، وشّ، وغيرها، وبحث بدقة عن نظائرها فى العربية الفصحى موضحاً أصولها وتطوراتها الصوتية والدلالية، فكلمة «طبطب» التى نستخدمها اليوم بمعنى المواساة، أرجعها المغربى إلى جذور عربية تتعلق بالملامسة الرقيقة مثل «طَبَّ» و«طَبَبَ»، موضحاً أن التضعيف الصوتى فيها يتناسب مع طبيعة الحركة المتكررة، أما «دعبس» بمعنى فتَّش أو نقَّب أو بحث فى الشىء، فربطها بعدد من الكلمات العربية القريبة دلالياً وصوتياً مثل «دَعَس» و«دَحَس» و«دَعْبَس»، وكلها تدور حول معنى الدخول فى الشىء والبحث فى داخله والنبش عن المخفى، بينما أوضح فى كلمة «كشّر» أنها عربية أصيلة من «كَشَرَ» أى أظهر أسنانه عند العبوس أو الغضب، وهى كلمة موجودة أصلاً فى المعاجم القديمة، ما ينفى تماماً أى شبهة بأنها كلمة عامية منبتة الصلة بالأصل الفصيح، أما «تأتأ» فأرجعها إلى المحاكاة الصوتية الطبيعية لكلام المتلعثم، وهى من الألفاظ التى نشأت بالمحاكاة لكنها منسجمة تماماً مع قواعد الصرف العربية.
وهذه الأمثلة مجتمعة تكشف أن المغربى لم يكن مجرد جامع للكلمات، بل كان لغوياً محللاً ينظر إلى كل مفردة بوصفها كياناً لغوياً له تاريخ ومسار تطور وسياق استعمال، وهو منهج يقترب كثيراً من الاتجاهات اللغوية الحديثة فى دراسة اللهجات، مما يكشف عن نضج نظرته واستقلاله الفكرى فى عصر كانت فيه العامية موضع ازدراء من معظم علماء اللغة، وظل هذا الكتاب الفريد حبيس أدراج مكتبات المخطوطات لقرون طويلة حتى جاءت الباحثة الهولندية إليزابيث زاك (Elisabeth Zack) فى السنوات الأخيرة لتعيد اكتشافه وتحقيقه ونشره فى نسخة علمية رصينة، مما أتاح للباحثين فى اللغويات والتاريخ الاجتماعى الوصول إليه ودراسته، وقد تميَّز تحقيقها بالدقة العلمية والمقابلة النصية الدقيقة والتعليق على المواضع الغامضة وشرح الخلفيات اللغوية والتاريخية، مما جعل هذه النسخة أفضل مدخل علمى للتعرُّف على الكتاب واستكشاف كنوزه اللغوية، وفى السياق نفسه تأتى جهود الباحثة المصرية الراحلة مديحة دوس التى قدَّمت اجتهادات مهمة فى دراسة العامية المصرية وتطورها عبر العصور، حيث ركزت فى أعمالها على تتبُّع التحولات الصوتية والدلالية للمفردات العامية وكيفية انتقالها من جيل إلى آخر مع الحفاظ على جوهرها اللغوى، وأبرزت دوس فى دراساتها أن العامية المصرية ليست مجرد تبسيط للفصحى أو انحراف عنها، بل هى نظام لغوى متكامل له قواعده الصوتية والنحوية الخاصة التى تطورت بشكل منطقى ومتسق عبر القرون، ولفتت الانتباه إلى ظواهر لغوية مهمة مثل تحول بعض الأصوات العربية القديمة فى العامية المصرية بطرق منتظمة يمكن تتبعها ورصدها، كما أشارت إلى أن كثيراً من التراكيب النحوية فى العامية المصرية تعكس بقايا من أساليب عربية قديمة اندثرت من الفصحى المعاصرة لكنها بقيت حية فى الاستعمال الشعبى، وأكدت دوس على أهمية دراسة العامية بوصفها مدخلاً لفهم التاريخ الاجتماعى والثقافى لمصر، إذ إن كل كلمة تحمل فى طياتها قصة عن حياة الناس وعاداتهم ومهنهم وطرق تفكيرهم، وهو ما يجعل المعاجم العامية، مثل كتاب المغربى، ليست مجرد قوائم كلمات، بل أرشيفات اجتماعية غنية بالمعلومات عن الحياة اليومية فى عصرها، كما نبهت دوس إلى خطورة إهمال العامية أو الاستخفاف بها لأن ذلك يعنى فقدان جزء مهم من الذاكرة الثقافية والتاريخية للشعب المصرى، ودعت إلى ضرورة توثيق العامية المعاصرة ودراستها بالمناهج العلمية الحديثة قبل أن تتغير ملامحها الحالية بفعل العولمة والتغيرات الاجتماعية السريعة.
وتكمن القيمة الحقيقية لـ«دفع الإصر عن كلام أهل مصر» فى كونه يقدِّم أقدم شهادة مكتوبة منهجية تثبت أن العامية المصرية ليست انحرافاً طارئاً أو لغة مُفسدة كما ظن كثيرون، بل هى لهجة عربية ضاربة الجذور فى عمق التاريخ، تتفاعل مع الفصحى فى علاقة حية ديناميكية تأخذ منها وتمنحها، وتستبقى من مفرداتها وتعابيرها ما اندثر فى كتب اللغة الرسمية، وتضيف إليه من خفة الروح المصرية وطبيعة الشخصية الثقافية للمصريين ما يجعلها مختلفة ومتفردة، فالكتاب بهذا المعنى العميق ليس مجرد معجم لغوى جاف، بل هو وثيقة اجتماعية حية تكشف طبيعة العلاقات الإنسانية والحياة اليومية فى مصر خلال العصر العثمانى المبكر، وتقدِّم للباحثين المعاصرين مفاتيح ثمينة لفهم تطور اللسان المصرى عبر القرون وتتبُّع مساراته الصوتية والدلالية، كما يبرهن الكتاب بوضوح على أن المصريين لم يتحدثوا يوماً العربية القرشية الفصيحة الخالصة كما تظهر بشكل مصطنع فى الدراما التاريخية، بل كانت لهم دائماً عبر العصور عربية مصرية خاصة تتبدل وتتشكل بحسب الزمن والمكان والحاجة، لكنها تظل دوماً جزءاً عضوياً من النسيج اللغوى العربى الكبير، ويتميَّز أسلوب المغربى فى معالجة مادته بروح عالم منفتح يدرك تماماً أن اللغة كائن حى يتغير بحكم طبيعته ولا يمكن تجميده فى قوالب جامدة، فيتعامل مع العامية باحترام واضح وتقدير، ويحاورها بعقل علمى، ويستخرج بصبر وأناة من تاريخ العربية الطويل ما يؤصِّل وجودها ويكشف شرعيتها اللغوية والثقافية، وهو ما يجعل هذا الكتاب وثيقة لغوية واجتماعية نادرة تستحق أن تُقرأ وتُدرس بعمق بوصفها مرجعاً مبكراً ورائداً فى علم اللهجات العربية، وبوصفها سجلاً حياً نابضاً للروح المصرية كما كانت فى القرن السادس عشر، وهى روح لا تزال حاضرة بقوة فى لغتنا اليومية وتعابيرنا الشعبية حتى اللحظة الراهنة، وتأتى اجتهادات الباحثين المعاصرين، أمثال مديحة دوس وإليزابيث زاك، لتؤكد أن دراسة العامية ضرورة علمية وثقافية لفهم هويتنا اللغوية وحفظ ذاكرتنا الجماعية من الاندثار.