د.منجى على بدر يكتب: فرص مصر 2025 فى خريطة الاقتصاد العالمى الجديد

كتب: editor

د.منجى على بدر  يكتب: فرص مصر 2025 فى خريطة الاقتصاد العالمى الجديد

د.منجى على بدر يكتب: فرص مصر 2025 فى خريطة الاقتصاد العالمى الجديد

يقف العالم أمام منعطف اقتصادى حاسم بعد قمة العشرين فى جنوب أفريقيا، فهى القمة الأولى على أرض أفريقيا، ولم تكتفِ القمة بإعادة طرح قضايا الطاقة والتنمية والديون، بل قدّمت إطاراً جديداً للصراع على الموارد والمعادن الحيوية والنادرة والتكنولوجيا؛ كاشفة عن إعادة توزيع بطيئة ولكن متصاعدة لنقاط النفوذ بين القوى الكبرى والاقتصادات الصاعدة على السواء.
ولم تُغيّر القمة حجم الاقتصادات الكبرى، لكنها غيّرت «وحدة القياس» لقوة الدول، وأصبح النفوذ يُقاس اليوم بالقدرة على تأمين سلاسل الإمداد والتوريد والتحكم فى المعادن الضرورية والنادرة للانتقال إلى الطاقة النظيفة وامتلاك التقنيات الرقمية المتقدمة. وفى ظل هذه المعايير الجديدة ظهر دورٌ متنامٍ للدول الصاعدة أو الاقتصادات الناشئة التى عرضت ملفاتها فى صدارة نقاشات القمة، خاصة ما يتعلق بالتصنيع المحلى فى أفريقيا وتمويل البنية التحتية وتطوير التكنولوجيا ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وقد عكست مناقشات القمة، سواء فى الجلسات الرسمية، أو على هامش القمة، حجم التوتر بين القوى الكبرى حول مستقبل الطاقة والذكاء الاصطناعى والتجارة التكنولوجية، فممثلو الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبى أبدوا حرصاً على تأمين حيز نفوذ فى الأسواق المستقبلية، بينما تتحرك الاقتصادات الصاعدة لاقتناص أكبر قدر من القيمة قبل أن تُعاد هندسة قواعد اللعبة الاقتصادية.
ورغم أن البيان الختامى للقمة جاء متوازناً لكنه حمل رسائل واضحة حول انتقال مركز الاهتمام العالمى نحو أفريقيا باعتبارها صاحبة النصيب الأكبر من المعادن الحيوية والنادرة، وموقعاً لوجيستياً بالغ الأهمية، وقوة بشرية وموارد طبيعية كبيرة، فقد برزت مطالبات أفريقية جماعية بربط التعدين بالتصنيع المحلى، وهو ما يمثل نقلة نوعية عن النموذج التقليدى الذى اعتمد لعقود على تصدير المواد الخام من أفريقيا بأسعار زهيدة.
كما أكدت القمة رفضاً متزايداً للسياسات الاقتصادية الأحادية، والدعوة لتعزيز دور المؤسسات متعددة الأطراف فى إدارة الانتقال للطاقة الجديدة.. وهذه الرسائل - وإن لم تُكتب صراحة فى بيان القمة - شكّلت ملامح توافق دولى جديد يسعى لتوسيع قاعدة المستفيدين من الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة.
هذا، وتقدم مخرجات القمة فرصاً جيدة لمصر فى 3 محاور رئيسية كالتالى:
1- سلاسل القيمة للمعادن الحيوية والنادرة، حيث توافر توافق فى القمة على إطار دولى أكثر عدالة للتعامل مع المعادن الحيوية والنادرة، وهذا التوافق يساعد مصر على التحرك نحو دور محورى فى تجهيز ومعالجة المعادن النادرة القادمة من أفريقيا؛ نظراً لموقعها الجغرافى ومناطقها الصناعية المتطورة، وعليه ستصبح مصر مرشحة لاستضافة وحدات تصنيع مرتبطة بصناعات البطاريات والمركبات الكهربائية وغيرها.
2- دفعت القمة بوضوح نحو زيادة تمويل الانتقال للطاقة النظيفة مع توفير آليات لتخفيف مخاطر الاستثمار. ويمنح ذلك مصر فرصة لتسريع مشروعات الهيدروجين الأخضر وتوسيع إنتاج الطاقة الشمسية والرياح وتعزيز الربط الكهربائى الإقليمى مع أفريقيا والدول العربية وجنوب أوروبا، كما أن تضمين ملف حوكمة الذكاء الاصطناعى فى البيان الختامى يعزز قدرة مصر على جذب استثمارات فى مراكز البيانات وخدمات التعهيد وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعى.
كما يمكن لمصر أن تستفيد من قرارات القمة فى:
أولاً: التحرك نحو تصنيع عالى القيمة المضافة بدلاً من تصدير المنتج فى صورته الأولية، فنجاح الاقتصادات الصاعدة كان نتيجة تخطيط صناعى يستهدف سلاسل الإمداد الجديدة.
ثانياً: توسيع الشراكات مع القوى الصاعدة التى أصبحت تمتلك وزناً متزايداً فى تشكيل الاقتصاد العالمى.
ثالثاً: بناء دبلوماسية مالية نشطة تستفيد من الزخم الحالى لمؤسسات التمويل الدولية، خاصة أنها تستعد لزيادة تمويل التحول الطاقى والتنمية المستدامة.
رابعاً: الاستمرار فى طرح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز لوجيستى وصناعى قادر على جذب الشركات الباحثة عن تنويع سلاسل الإمداد والتوريد العالمية بعيداً عن التوترات الجيوسياسية الراهنة.
وفى الختام، هل العالم أمام بداية «حرب اقتصادية» مفتوحة تتجاوز الأدوات التقليدية؟.. والإجابة أن الاحتمال قائم لكن ليس حتمياً، وما نتابعه هو توسيع أدوات المنافسة مثل الرقمنة والرقابة على سلاسل الإمداد والقيود على التكنولوجيا أو القيود الاستثمارية الانتقائية والدعم الصناعى، وهذه أدوات «تنافسية» قد تتقاطع أحياناً مع إجراءات تشبه الحرب الاقتصادية لكنها حتى الآن تدار داخل إطار سعى كل طرف لحماية مصالحه الاستراتيجية، ولكن تصاعد المنحى السياسى (مقاطعات، عقوبات) قد يحوّل المنافسة إلى نزاع أوسع لاحقاً إذا لم يتم التوصل لآليات لإدارة الأزمة.
إن قمة العشرين لم تُقدّم حلولاً نهائية للتحديات الدولية لكنها قدّمت خريطة طريق واضحة لمعركة النفوذ الاقتصادى فى السنوات المقبلة، حيث كشفت عن انتقال تدريجى نحو عالم متعدد الأقطاب اقتصادياً تتحكم فيه سلاسل القيمة والمعادن الحيوية والنادرة والتكنولوجيا أكثر مما تتحكم فيه القوة المالية التقليدية، وتبدو الفرص متاحة أمام الدول القادرة على التحرك بسرعة وذكاء، ومصر تحديداً أمام لحظة استراتيجية يمكن أن تتحول إلى مركز «تصنيع ولوجيستى وطاقة» فى الشرق الأوسط وأفريقيا بشرط النجاح فى دبلوماسيتها الاقتصادية ومواءمة سياساتها مع الاتجاهات الجديدة التى رسمتها القمة وأكدها الواقع الاقتصادى العالمى.


مواضيع متعلقة