أشرف غريب يكتب: حينما كان الدين لله والفن للجميع

كتب: editor

أشرف غريب يكتب: حينما كان الدين لله والفن للجميع

أشرف غريب يكتب: حينما كان الدين لله والفن للجميع

ليس عيباً فى كل الأحوال أن تنظر إلى الوراء، ففى العودة إلى التاريخ فضيلة لا تقل عن مزية النظرة إلى المستقبل.. كلاهما حلال، وكلاهما واجب، ومن كان بلا ماضٍ، فهو هش بغير جذور لا يقوى على فهم الحاضر أو استيعاب ما ينتظره فى الغد.. إذن، انظر خلفك نظرة متأملة وأنت تطرح السؤال المهم بلا حساسية أو مزايدات لا محل لها:

هل كان الممثلون اليهود حالة استثنائية فى تاريخ الفن المصرى؟

بكل تأكيد لا، ليسوا كذلك، فقد كان حضورهم فى المشهد الفنى اعتيادياً لا يسترعى الانتباه، أو قل إنهم كانوا إفرازاً طبيعياً لمرحلة كانت مصر فيها دولة كوزموبوليتانية تعيش أجواء ليبرالية حقيقية تعرف كل الأطياف والطوائف فى مزيج مبهر لا فضل فيه بين صاحب ملة أو دين وآخر إلا بما قدمت يداه، بل إن عدد الممثلين اليهود حتى عقد الأربعينات يوازى -إن لم يتجاوز- عدد الممثلين الأقباط على مدى تاريخ فن التمثيل فى مصر، والأكثر من هذا أن عددهم فى بعض الفرق المسرحية كما عند جورج أبيض وسلامة حجازى كان يفوق مثيله من المسلمين ربما بسبب عدم حماس المصريات -مسلمات وقبطيات- للظهور على خشبة المسرح وقيام اليهوديات وحدهن -مصريات ومتمصرات- بهذه المهمة مؤقتاً حتى ظهور منيرة المهدية كأول مصرية تقف على خشبة المسرح - بحسب المعلومة السائدة - وتفتح المجال أمام قريناتها بعد ذلك.

فهل كانوا -إذن- أصحاب فضل على الفن المصرى حسب ما يدعى الإسرائيليون حالياً؟

الإجابة أيضاً لا، ولكن..

كان بعضهم أصحاب حالات ناجحة تنسب لهم بشكل شخصى دون أن يخلقوا مجتمعين تياراً مؤثراً ذا ملامح محددة وبصمات واضحة، بمعنى أن نجاح اليهودية ليلى مراد كان ملكاً لها تماماً كنجاح المسيحية سناء جميل أو المسلمة فاتن حمامة، لأن المتلقى المصرى لم يكن ينظر لخانة الديانة فى بطاقة الفنان الذى يتعلق به، وأن الفنان المصرى -فى المقابل- وعلى مدى تجربته الإبداعية الطويلة كان يرفع شعار «الدين لله والفن للجميع».

فلماذا اختلفت نظرتنا الآن للممثلين اليهود وأصبحنا نتعامل معهم على أنهم كائنات منقرضة أو تراث فلكلورى، رغم أنهم كانوا -ذات يوم- يعيشون بيننا ويمارسون حياتهم وإبداعهم بصورة اعتيادية؟ فى اعتقادى أن المشكلة هى فى عبارة «ذات يوم» فاليوم المقصود صار بعيداً فى الزمن، وبات بعيداً فى التمنى، ولعن الله أولئك الذين زرعوا الفتنة والشوك وأضناهم منذ عام 1948 أن يعيش الناس فى سلام، وقاتل الله أولئك الذين يتدثرون بالدين ويكفرون بمصر الحاضنة لكافة الأطياف والطوائف.

كلاهما حرام.. وكلاهما إلى زوال.

لقد كان الممثلون اليهود إذن جزءاً أصيلاً من الحركة المسرحية مع بواكير ظهورها فى مصر، واستمر الأمر كذلك حتى نهاية عقد الأربعينات من القرن الماضى، بل إن الممثلات اليهوديات تحديداً كن فى طليعة جيل المسرحيين الرواد، حينما أتى أبوخليل القبانى من سوريا بالممثلة اليهودية «لبيبة مانيللى» وأتبعه منافسه سليمان القرداحى بالممثلتين الشقيقتين «ألمظ وإيريز استاتى» لسد فراغ الأدوار النسائية فى ظل وقوف التقاليد الاجتماعية فى وجه عمل المصريات بالتمثيل.

ومع تنامى الحركة المسرحية، ثم ظهور النشاط السينمائى وخاصة الروائى منه منذ عام 1927 لم يكن هناك ما يسترعى الانتباه فى وجود ممثلين يهود جنباً إلى جنب مع أقرانهم من المسلمين والأقباط أو حتى مع المتمصرين ذوى الأصول الأجنبية الذين أقاموا فى مصر إقامة دائمة وحصل معظمهم على الجنسية المصرية، فلم يكن مستغرباً أن تضم فرقة جورج أبيض المسيحى -حتى ذلك الوقت- كلاً من اليهودية مريم سماط والمسلم حسين رياض مثلاً، أو أن تكون بطلة فرقة الشيخ سلامة حجازى (المسلم) هى اليهودية ميليا ديان فى وجود القبطى منسى فهمى والمسلم محمود وصفى، بل إن الشيخ سلامة حجازى كان يقيم بعض الحفلات المسرحية لصالح مشاريع خيرية يهودية دون استهجان من أحد، واستمرت الأمور على هذه الحال مع توالى نشوء الفرق المسرحية، فعرفت فرقة نجيب الريحانى (المسيحى) وجود اليهوديات صالحة قاصين وإستر شطاح ونجوى سالم مع المسلمين حسن فايق وميمى شكيب وعبدالفتاح القصرى وغيرهم، وعلى شاشة السينما تعاون اليهودى توجو مزراحى مع المسلم على الكسار والمسيحى ستيفان روستى دون أدنى حساسية، وأبرز المسلم محمد كريم الموهبتين اليهوديتين ليلى مراد وراقية إبراهيم والمسيحية رجاء عبده دون التفات لخانة الدين فى البطاقة الشخصية، وهى ذاتها الفترة التى قدم فيها المبدعون أعمالاً من قبيل «فاطمة وماريكا وراشيل» أو «حسن ومرقس وكوهين» بلا خجل فى الطرح أو حرج فى التناول.

وهكذا عرفت مصر مجتمعاً منفتحاً ومتفتحاً لا مجال فيه للتعصب أو الانغلاق الفكرى، وعاش الجميع لا يشغلهم سوى إشباع حبهم للفن وإمتاع هذه الجماهير العاشقة لهم، ثم وقعت حربا 1948 و1956 وأحدث الفكر الصهيونى شقاقاً لا ينكره أحد بين المسلمين والأقباط من جانب واليهود من جانب آخر حتى إنه منذ حرب 1948 وقيام دولة إسرائيل لم يعرف فن التمثيل فى مصر أى اسم يهودى جديد، أما كل الأسماء اليهودية الأخرى -على كثرتها- فهى ابنة النصف الأول من القرن العشرين.


مواضيع متعلقة