نجيب محفوظ والمهمشون (1)

هناك اعتقاد سائد فى أن أديبنا الكبير نجيب محفوظ صب جل اهتمامه على الطبقة الوسطى، التى انتمى إليها، ونسج على ضفافها أغلب أعماله الإبداعية الرائعة، من قصص وروايات، واقعية ورومانسية، نابتة من هذه الأرض وذلك المجتمع، أو متخيلة، تنحت عالماً موازياً، لم يمر يوماً على الدنيا.

لكن من يُمعن النظر فى ما كتبه محفوظ يكتشف أن الرجل أعطى الطبقة الدنيا وزناً كبيراً من انشغاله، ومن سطور أعماله، ليس فقط فى عالم «الحرافيش» الذين يعانون من سطوة الفتوات وتجبّرهم، أو عالم الفقر المدقع الذى تصوره رواية «بداية ونهاية»، بل أيضاً بالنسبة للمهمّشين، الذين يقطنون على أطراف المدن، فى أحياء عشوائية، تعج بالفوضى والبؤس.

وهناك رواية رسم فيها «محفوظ» ملامح الأحياء العشوائية، التى باتت تشغل بال الكثير من الأدباء مع مطلع القرن الحادى والعشرين، وهى رواية «قلب الليل»، ثم زاد عليها بما ورد فى إحدى قصص مجموعته «القرار الأخير»، التى نشرها عقب حصوله على جائزة نوبل فى الآداب عام 1988.

ففى روايته هذه تطالعنا شخصية «جعفر الراوى» التى تأخذنا أشواقه ومشاعره إلى «عِشش الترجمان» على طرف القاهرة، بعد أن أحب، وهو سليل العائلة العريقة ذات الجاه والصيت والمال، مروانة، التى ترعى الغنم مع والدتها، وتنتمى إلى طائفة «الغجر»، وتعيش فى مكان بائس يصفه السارد فى ثنايا الرواية بـ«معسكر الشياطين» مرة و«معسكر المتشرّدين» مرة أخرى.

وخلال رحلة «الراوى» إلى هذا المكان لا يهتم محفوظ كثيراً بمعالمه، بل يركز على سلوكيات وتصرفات سكان المناطق العشوائية، فيصفهم على لسان محمد شكرون، الصديق المخلص لجعفر الراوى، بقوله: «أولئك الناس مع كل شر إلا الذى يسيل لعابك عليه».

ويقصد أنهم مستعدون أن يفعلوا كل الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إلا التفريط فى شرف بناتهم. وقد دفع هذا الراوى إلى أن يقصد عشش الترجمان ليطلب يد مروانة من قريب لها.

وهنا يبيّن محفوظ جانباً آخر من سلوكيات هؤلاء الناس وحرفتهم التى يعيشون منها، حين يسرد على لسان شكرون قوله: «كنا أول غريبين يشقان سبيلهما فى عشش الترجمان نهاراً دون أن يتعرضا للموت. حدقت فينا أعين شريرة باستطلاع ساخر وتحدٍّ. وتوقفت الحركة دقيقة، حركة تدريب القرود وجز الغنم ووزن المخدرات وجلاء الأدوات المسروقة ودق الطبول. وتجمع حولنا نفر من الغلمان، وراحوا يحيون الشيخ جعفر، قائلين: شد العمة شد، تحت العمة قرد».

وما سبق يبين هامشية الحرف التى يمتهنها هؤلاء، وتعارض بعضها مع القانون، وخطره على المجتمع، بقدر ما يظهر سوء سلوكهم حيال الغريب، وبالطبع إزاء بعضهم البعض. ولا تقتصر هذه البذاءة على الصغار، بل إن الكبار أيضاً يوصمون بها، وهو ما نكتشفه من الحوار الذى دار بين شكرون والرجل قريب مروانة:

«ومضينا إلى العجوز الجالس أمام كوخه، وأم مروانة واقفة بين يديه، وتصافحنا وكان طاعنا فى السن حتى الموت، فقالت أم مروانة نيابة عنه: إنه يرحب بكما.

فقال العجوز يخاطبها بعد أن لكمها فى ظهرها: لأنك أنت توافقين، عليك اللعنة.. فقال محمد شكرون: صاحبى من أصل كريم.

فبصق العجوز.

فقال محمد شكرون محرجاً: وهو يعمل..

ولكن العجوز قاطعه: لا يهمنا العمل أيضاً!

- أخلاقه.. فقاطعه العجوز: ولا تهمنا الأخلاق!

فقال شكرون، وهو يتحلى بمزيد من الصبر: بكل إيجاز نريد كريمتكم على سنة الله ورسوله.

فضحك العجوز عن فم خال تماماً، وقال: مع ألف سلامة.. تكلم عن المهر.

- تكلم أنت.. فأنت كبيرنا.

فانتفخ العجوز قائلاً: عشرة جنيهات فى يدى هذه.

وبسط يده، فتحركت أم مروانة حركة غامضة، فقطب العجوز قائلاً: لنقرأ الفاتحة.. وانطلقت من حولنا الزغاريد».

وفى موضع آخر من الرواية، يبين السارد على لسان جعفر كيف استمر هذا الفحش فى القول والفعل معه، بعد زواجه من مروانة، فها هو يقول:

«وتسحبنى من يدى لزيارة أمها وقريبها العجوز فى معسكر الشياطين، ليضحك المخرف ويقول لى: ألم يكن من الأفضل أن تعمل إماماً لجامع؟

أو يبارك بطن زوجتى، قائلاً للجنين: شرفنا وكن قاتلاً، فقد ضِقنا باللصوص والمهربين!

ويسخر من أصلى الكريم قائلاً: مَن جدك الراوى؟ أنا جدك الحقيقى، وأهبك هذه المرأة الجميلة، التى تمتص قذائف غرائزك الشريرة».