العرب بين «هندسة الانتخابات» و«هندسة المصالح»

وانتهى أخيراً «نوفمبر» بسماجته المعهودة، وجمعته (السوداء) المشهودة، التى يترقبها عشّاق التسوق وكارهوه؛ كلاهما يبحث عن فرصة، ويراقب بورصة السلع وعروض التخفيضات. نوفمبر الواقع بين فصلين، حائراً فى مناخه بين حرّ صيف يرحل وبرودة شتاء يتأهّب، والذى يصدق فيه قول شاعر العرب الراحل نزار قبانى: «‏وما بين فصل الخريف وفصل الشتاءْ.. هنالكَ فصلٌ أسميهِ فصلَ البكاءْ.. تكونُ به النفسُ أقربَ من أيّ وقتٍ مضى للسماءْ».

وهذا العام، احتشد «تشرين الثانى» -كما يُعرف نوفمبر عربياً- بالفرص، لذا استحق الرصد منفصلاً تحت بند «حصاد نوفمبر الحزين»، قبل أن يدهسنا قطار ديسمبر بزحام حصاده: حصاد العام 2025، وحصاد ربع قرن (2001: 2025) من الأحداث والحوادث الهامة والفارقة.

كان مصطلح «هندسة الانتخابات» الأكثر حضوراً خلال نوفمبر فى بلدين عربيين كبيرين، هما مصر والعراق. وإن كان للمصطلح ظهور قديم فى أكثر من بلد عربى، لكنه اقتصر غالباً على مجال البحوث والدراسات، ومنها الجزائر على سبيل المثال لا الحصر. وقد لمحتُ فى أرشيف أحد المواقع الأكاديمية المتخصصة العديد من العناوين المرتبطة بمسألة «الهندسة الانتخابية»، كان أبرزها ورقة بحثية نُشرت فى مجلة «البحوث فى الحقوق والعلوم السياسية» للباحث دلياز كمال، بعنوان: «الهندسة الانتخابية وإشكالية المشاركة السياسية فى الجزائر، مقاربة تفكيكية للانتخابات التشريعية 1997/2012»، والتى خلصت إلى أن: «الهندسة الانتخابية تعتبر إحدى الركائز الأساسية والممارسات الثابتة للنظم الديمقراطية القائمة على توسيع فضاء المشاركة السياسية لأغلبية فئات المجتمع لتجسيد انتخابات حرة ونزيهة ودورية، إلا أن التزوير الذكى للانتخابات لا يزال موجوداً ولم تسلم منه حتى الديمقراطيات المباشرة فى أثينا، إذ كل ما تغير هو الصعوبة المتزايدة لمراقبى استطلاعات الرأى تجاه استقلالية العملية الانتخابية، باعتبار أن القوانين والنظم الانتخابية ليست حيادية فى تأثيراتها».

وانتخابات مصر والعراق جرت «هندستها» بما فرضه الواقع الذى يعيشه البلدان، وقد اجتمع الناخبون فى البلدين أمام الصناديق فى مصادفة قدرية خلال الشهر ذاته، ما جعل المقارنة واجبة لرصد ما وصلت إليه أعرق حضارتين فى العالم، وأسبق الدول إلى التحولات السياسية العصرية، فكلاهما يسعى جاهداً لاستكمال مسيرته فى التنمية السياسية وبناء مستقبل أفضل يستحقه الشعبان المصرى والعراقى.

وعن انتخابات مجلس النواب فى مصر، سأكتفى بعنوان مقال الزميل والصديق العزيز الكاتب الكبير سليمان جودة فى صحيفة «المصرى اليوم»، والذى جاء بعنوان: «المشهد لا يليق بنا»، ونُشر قبل يومين، بعد أن أبطلت المحكمة الإدارية العليا نتائج الانتخابات فى 30 دائرة فى المرحلة الأولى، لتنضم إلى 19 دائرة ألغت الهيئة الوطنية للانتخابات نتائجها، ويجرى إعادة الانتخابات فيها هذا الأسبوع.

أما انتخابات العراق، التى تكون ثمرتها الأهم تشكيل حكومة جديدة، فهناك «تعليق مؤقت لمفاوضات اختيار مرشح رئاسة الحكومة العراقية»، كما ذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية فى تقرير نشرته مطلع هذا الأسبوع، اختصر فيه كاتب التقرير فاضل النشمى قصة هذه الانتخابات ونتائجها فى جملتين، حيث قال نصاً: «خلافاً للدور الإيرانى الحاسم بالنسبة لمنصب رئاسة الوزراء فى الدورات الانتخابية السابقة، يبدو الدور الأمريكى أكثر بروزاً هذه المرة».

وإن كانت الانتخابات العراقية -كما وصفها عماد الدين أديب فى مقال له بصحيفة «البيان» الإماراتية- تعكس طبيعة الصراع الإقليمى والدولى على صناعة القرار فى البلاد، فإن الانتخابات المصرية بدورها تعكس مدى ما وصل إليه الإصلاح السياسى فى العالم العربى، الذى راقب أيضاً، وبنفس اهتمامه بهندسة الانتخابات، هندسة أخرى كانت تجرى فى البيت الأبيض، وصفتها مجلة «المجلة» السعودية فى عددها الجديد بـ«هندسة المصالح والمستقبل».

والوصف يلخص -من وجهة نظر كاتبه- قيمة الزيارة التى قام بها ولى العهد السعودى محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتى أسست لمستقبل العلاقة بين البلدين. وقد سبق هذه الزيارة الملكية زيارة أخرى هامة، ليس فقط لأنها أول زيارة يقوم بها رئيس سورى إلى البيت الأبيض منذ الاستقلال سنة 1946، لكن لما صاحبها من جدل كبير، كان أبرز محاوره المقارنة بزيارة الرئيس الإخوانى الراحل محمد مرسى، التى جرت فى عهد إدارة أوباما الديمقراطية سنة 2012، وظهرت أوجه التشابه بين الزيارتين من حيث جدول الأعمال وحفاوة الإدارة الأمريكية فى استقبال رئيس دولة عربية (سجين سابق) ينتمى عقائدياً لتيار الإسلام السياسى المتطرف.

وفيما يلخص إبراهيم حميدى فلسفة زيارة ولى العهد فى العنوان التمهيدى للمقال الافتتاحى للمجلة، الذى جاء فيه: «التحالف الذى تأسس بـ«اتفاق كوينسى» بين الملك عبدالعزيز والرئيس فرانكلين روزفلت عام 1945، يعاد بناؤه وفق شروط القرن الحادى والعشرين ومفاتيحه».. فإن الشهر قد انتهى بتصعيد إسرائيلى جديد ضد سوريا، استدعى تدخلاً أمريكياً حاسماً، وتحذيراً من «ترامب» لنتنياهو ومطالبته بـ«التوقف عما يفعله بسوريا»، حيث نقل موقع «العربية نت» عن مسئول أمريكى كبير قوله: «إن ما يفعله رئيس الحكومة الإسرائيلية قد يحول النظام بسوريا لعدو لإسرائيل»!

وبين هندسة الانتخابات عربياً وهندسة المصالح دولياً، يبقى المستقبل مرهوناً بالقدرة على بناء مؤسسات قادرة على حماية القرار الوطنى من التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.