نجيب محفوظ والمهمشون (2)

فى رواية «قلب الليل»، امتد الفحش الأخلاقى والفوضى السلوكية إلى «مروانة»، وانتقلت معها إلى عالمها الجديد، بعد أن اكترى «جعفر الراوى» لها شقة جديدة مجهزة بالخرنفش، هى فى كل الأحوال أفضل بكثير من العشش والأكواخ التى كانت تعيش فيها، ثم عمل منشداً فى جوقة شكرون، وهى مهنة أفضل وأرقى من كثير من المهن التى يعمل بها أهلها. فها هو «جعفر» يصفها قائلاً: «مروانة لا تحسن تنظيف الشقة، ولا طهى الطعام، وتمضى حافية نصف عارية منتفشة الشعر، تتحدى الخيال وتناقر الهواء». ثم يصفها فى موضع آخر بأنها «إذا تجردت من رمز الإثارة الجنونية، فإنما تتمخض عن لا شىء ألبتة، أو تتمخض عن ذئبة»، وأنها «مجرد إثارة، ليست امرأة، لا هى ربة بيت، ولا هى أم، ولا هى سيدة بالمعنى، وصفاتها الجوهرية خليقة بأن تخلق منها رجلاً، بل قاطع طريق». ويفصل هذا الرأى فى موضع ثانٍ بالرواية حين يقول عنها: «إذا غضبت حطمت ما بين يديها، مزقت ملابسى، طوحت بكراسة الأغانى والتواشيح من النافذة، التحمت معى فى عراك، وأصيح بها:

ـ إنك أبغض إلىّ من الموت.

فتصيح بى:

ـ إنك أبغض من القيح».

وفى موضع ثالث يزيد فى وصف شراستها فيقول إنها «قوية متحدية سليطة اللسان طويلة اليد، كأنما خُلقت لتقاتل».

وفى نظر السارد، فإن عالم العشوائيات يبدو غريباً مستهجناً ومنبوذاً بالنسبة لمن يعيشون خارجه، مثلما بان على شكرون حين اشمأز من الحوار الذى دار مع كبير سكان عشش الترجمان، لكنه آثر الصمت حتى لا يغضب صاحبه: «لم يعلق محمد شكرون بكلمة احتراماً لعواطفى»، إلا أن هذا العالم يظل أليفاً حبيباً بالنسبة لأهله، فمروانة «معتزة بنفسها وبقومها، تكاد تسبغ قداسة على التراب الذى منه جاءت كوردة برية»، وها هى تقول لجعفر: «لا يوجد رجال خارج عشش الترجمان».

لكن «محفوظ» انتقل فى إحدى قصص مجموعة «القرار الأخير» إلى مستوى آخر من الحديث عن العشوائيات، انصبت هذه المرة على وصف المكان إلى جانب عرض السلوك والتصرفات. ففى قصة «المهد» يصف «محفوظ» أولاد الشوارع على لسان بطل القصة، وهو طفل، وصفاً لا يختلف عما ورد فى الرواية السابقة، إذ يرى أن:

«خرقهم للتقاليد المرعية فلا حدود له، يرددون الأغانى الفاحشة، فنشعر بالفطرة بأنها ترشح من يحفظها للنار وبئس القرار».

لكن بطل القصة يمنحهم صفات إيجابية، لم ترد فى الرواية، إذ يصفهم بأنهم «على قدر كبير من خفة الروح» ثم يقول: «ويوم يمر دون لقاء مع أولئك أو هؤلاء لا يحسب من العمر».

وعلى خلاف وصف العشوائيات من الخارج فى «قلب الليل» يلج محفوظ إلى داخلها لكن بتحسب شديد وعلى استحياء، فها هو يصف منظر أولاد الشوارع بأن أسمالهم بالية وأقدامهم حافية، ويصف بيتاً يقع فى حى عشوائى، ويعد حالة لترييف المدينة، بقوله:

«وسط البيت مملكة تنعم بحرية مطلقة. سقفه سماء الفصول الأربعة بألوانها المتباينة. وفى الأفق قباب عديدة ومآذن مفردة ومزدوجة، تستوى بينها مئذنة الحسين كالعروس بقدها الممشوق المنطلق. الكتاكيت تتجمع وتتلاصق تحت الشعاع كأنها خميلة متكاملة الألوان. نقيق الدجاج يترامى من وراء الباب الخشب. رؤوس الأرانب تبرز من أفواه البلاليص المائلة، وأنت تجمع البيض فى حجر جلبابك، وتقدم أعواد البرسيم للأرانب، وترمى الحب للكتاكيت».

وكل الاستشهادات السابق ذكرها تبرهن على أن «محفوظ» لم يهمل تناول حياة «سكان المناطق العشوائية» فى أدبه، لكنها ليست كافية بأى حال من الأحوال لتثبت أن هذا العالم الهامشى، كان يحتل موقعاً متقدماً من اهتمام أديبنا العربى الكبير.