كنت فى أواخر شهر مارس عام 2008 فى العاصمة السورية دمشق، أشارك فى تغطية أعمال القمة العربية، حين دعانى الدكتور ماهر الطاهر، مسئول العلاقات الدولية فى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى العشاء، وعلى مائدة ضمّت ما لذ وطاب من أطعمة الشام الحبيبة، وعلى أصوات الموسيقى وغناء صباح فخرى، وناظم غزالى، وأم كلثوم، تحدّثنا لساعتين وأكثر، حيث طاف بنا الحديث عن مصر وفلسطين وسوريا، عن المقاومة والسلطة الفلسطينية، وعن الجبهة الشعبية وحركة حماس، وأخذنا النقاش إلى الحديث عن دعم المقاومة، وكيف تواجه الجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل الفلسطينية اليسارية والقومية التراجع الملحوظ فى مصادر تمويلها، ساعتها قال لى ماهر الطاهر: إن النظام السورى يساعد حركة حماس أكثر من غيرها من فصائل المقاومة الموجودة فى دمشق، ليس فقط عبر التمويل والدعم المالى المباشر، ولكن أيضاً، وهذا هو الأهم، عبر ما تجنيه حركة حماس من التبرّعات الشخصية، ففى كل جمعة، وفى غالبية المساجد تتلقى حركة حماس تبرّعات من مواطنين سوريين لدعم المقاومة، وهو ما لا يتوافر لغيرها من الفصائل الفلسطينية الأخرى.
بعد نحو عام من لقائى بالقيادى فى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بدأت التحقيقات فى مصر فى القضية المعروفة بالقضية «404 أمن دولة عليا»، والتى كشفت عن دخول مصر نحو مليونين وسبعمائة ألف يورو جُمعت من عدة دول أوروبية لصالح دعم أبناء الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة فى أعقاب العدوان الإسرائيلى على القطاع عام ألفين وثمانية، وكان من بين أحراز القضية ما عُرف بوثيقة المرشد العام، والتى نصّت على أنه لا يجوز التصرّف فى أموال التبرّعات الخاصة بفلسطين إلا بعد الرجوع إلى مكتب الإرشاد.
قبل الكشف عن هذه القضية، كان الزميل الأستاذ حسين عبدالغنى يجرى حواراً مع المرشد العام للجماعة محمد مهدى عاكف، وحين سأله عن أموال الجماعة رد قائلاً: «هى من تبرعات الإخوة». وأضاف: «لو أردت الآن أن أجمع أى مبلغ فسيأتينى خلال ساعة»، وساعتها وفى انتخابات عام 2005 كان الإنفاق على الدعاية الانتخابية لمرشحى الجماعة غير محدود، وعلى حد تعبير أحد قيادات الجماعة لى كان الشعار المرفوع إخوانياً هو «إنفاق من لا يخشى الفقر».
تحفظ الذاكرة الكثير من الوقائع المتعلقة بأموال تنظيم الإخوان، من أين اكتُسبَت، وفيمَ أُنفِقَت؟ لكن المصدر الأهم الذى كان ولا يزال هو أموال التبرعات التى يقدّمها «الطيبون» لدعم الأشقاء فى غزة أو غيرها من أراضى فلسطين المحتلة، ظناً منهم أن أموالهم ستذهب إلى حيث أرادوا، لكنها فى النهاية، كانت تصب فى خزائن التنظيم ليُقرّر القادة إلى أى جهة توجه وفقاً لأولويات التنظيم، وهذا ما نصت عليه «وثيقة المرشد العام».
قضية وقف الأمة
لم تأتِ قضية اتهام جمعية «وقف الأمة» الإخوانية بجديد، لقد كشفت ما كان يعلمه كثيرون، لكن المهم فى هذه القضية، أن من كشفها هو حركة حماس، ومن طالب بالتحقيق فيها ومعرفة مصير نحو نصف مليار من أموال التبرعات التى جُمعت لصالح دعم وإسناد الفلسطينيين فى غزة والقدس، هم قادة الحركة أنفسهم، وهو أمر لا يمكن قراءته بمعزل عن الأزمات المركبة التى يعيشها تنظيم الإخوان فى السنوات الأخيرة، والأوضاع المعقّدة التى تمر بها حركة حماس فى الشهور الأخيرة.
فالقضية متورط فيها عدد كبير من قادة تنظيم الإخوان فى الأردن وفلسطين وتركيا، وفتح ملفات التبرّعات ومصيرها لن يتوقف عند حدود الكشف عن «حرامية التبرعات»، بل سيتخطى ذلك إلى تتبع أموال التنظيم بشكل عام، وهو دون شك سيقود إلى مزيد من الأزمات داخل بنية التنظيم الآخذة فى الانهيار.
أقول إن هذا الملف يزخر بمئات الوقائع منذ نشأة التنظيم، وهو ما لم يستطع مؤسسه حسن البنا إخفاءه، بل إن «البنا» نفسه اتُّهم بالتهمة ذاته قبل نحو تسعين عاماً، وفى السبعينات، وحين أعاد الرئيس الراحل أنور السادات الحياة إلى جماعة الإخوان، كانت الأسر والخلايا الإخوانية تنشط فى الاتجاه ذاته، وتحت شعار «الجهاد فى أفغانستان» كانت مكاتب التنظيم تستقبل التبرعات، كما كانت تستقبل الراغبين فى السفر للجهاد فى أفغانستان!
القضية أكبر من جمعية «وقف الأمة»، وقائمة المتهمين لا تضم مؤسسى الجمعية والمسئولين عنها وحسب، بل تضم أسماءً كثيرة من الإعلاميين، ورجال الدين، والسياسيين، ساهموا فى الترويج لنحو ألفى حملة لجمع التبرعات، قادتها المؤسسة منذ تأسيسها، كلهم ستلاحقهم لعنة سرقة أموال التبرّعات، وجميعهم ستبقى سيرتهم ملطخة بأكل أموال الضحايا من أبناء شعبنا الفلسطينى.