هل قول «ربنا افتكره» حرام؟.. «الإفتاء» ترد على العبارات الشائعة بعد الوفاة
هل قول «ربنا افتكره» حرام؟.. «الإفتاء» ترد على العبارات الشائعة بعد الوفاة
أكدت دار الإفتاء المصرية، أنَّ قول بعض الناس عند وفاة شخص «ربنا افتكره» لا حرج فيه شرعًا، ولا يجوز حمل معناه على الظاهر اللغوي الذي قد يوهم بنسبة النسيان إلى الله تعالى، بل يجب حمله على المعنى العرفي الحسن الذي يقصد به المصريون الرحمة، مشيرة إلى أن الشريعة الإسلامية تراعي أعراف الناس وعاداتهم في ألفاظهم.
وأضافت دار الإفتاء عبر موقعها الرسمي، أن الشريعة الإسلامية تتميز بالسعة والشمولية، حيث راعت أحوال الناس وأعرافهم، وجعلت العرف مرجعًا يُرجع إليه عند بيان أحكام المكلفين، مستدلة بالآية الكريمة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وبحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ»، مشيرًا إلى أنَّ كثيرًا من عبارات الناس لا يُقصد بها حقيقتها اللفظية، بل المعنى المتعارف عليه بينهم، والذي يتبادر إلى الذهن دون حاجة إلى قرينة. واستشهدت بما قاله الفقهاء، ومنهم العلامة السرخسي: «التعيين بالعُرف كالتعيين بالنص».

حكم قول «ربنا افتكره» شرعًا
وأوضحت الإفتاء، أنَّ استخدام المصريين للفظ «ربنا افتكره» للتعبير عن موت إنسان هو من تلك الألفاظ التي يُغايِر مدلولُها العرفي حقيقتها اللغوية، وقد صار لا يتبادر إلى الذهن عند سماعها إلا المدلول العرفي وهو الوفاة والانتقال إلى رحمة الله، وقد بينت الإفتاء حكم التلفظ بهذه الجملة في النقاط التالية:
اعتبار العرف القولي:
- العرف القولي مُعتبر في الشريعة، واتفق الفقهاء على أنه يخصص عموميات النص ويُقدم على الحقائق اللفظية عند التعارض.
ضابط النقل العرفي هو أن يصبح المعنى المنقول إليه هو المتبادر الأول إلى الذهن دون قرينة، وهذا متحقق في هذه العبارة؛ فالمستمع يفهم فورًا أن الشخص قد توفي وانتقل إلى رحمة الله تعالى، ولا يتبادر أبدًا نسبة النسيان إلى الله تعالى.
واستدلت دار الإفتاء، بنهي الله تعالى عن قول المؤمنين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «راعنا"، رغم حسنه اللغوي، لأنه شاع استخدامه بمعنى سيئ في ذلك المجتمع، وأرشدهم إلى قول: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: 104]، وذلك مراعاة لما يتبادر إلى الذهن، موضحة العبرة بالمقاصد والمعاني كالتالي:
- الشرع رفع المؤاخذة عما لم تتعمده القلوب من ألفاظ، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225].
- العبرة في مثل ذلك بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وعليه فإن كلام العاقل يُحمل على الصحة ما أمكن؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ».
تفسير النسيان في حق الله
وأوضحت الإفتاء تفسير النسيان في حق الله بمعنى الترك، إذ تقرر في قواعد الشرع أنه «لا عبرة بالظنِّ البَيِّنِ خَطَؤُهُ»، بينما الظن بنسبة النسيان إلى الله تعالى قصدًا من قائل العبارة بين خطؤه؛ حيث فسر لفظ النسيان في كثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية، عند إضافته للذات الإلهية، بمعنى «الترك»، وليس بمعنى النقص اللغوي، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: 51]، والذي فسره ابن عباس رضي الله عنهما بأنه: «نَتْرُكُهُمْ مِنَ الرَّحْمَةَ».
وقالت الإفتاء، إن المعنى الصحيح لـ«ربنا افتكره»، بناءً على تفسير النسيان في حق الله تعالى بمعنى «الترك من الرحمة»، فإن قول المصريين: «ربنا افتكره» يحمل على معنى: «رحمه»، وذلك بمفهوم المخالفة، وهذه المقولة تتضمن رجاء بلوغ المتوفى واسع رحمة الله بعد الموت، والتعبير عن أن الوفاة راحة للمؤمن من عناء الدنيا، وهي معانٍ وردت بها النصوص الشرعية، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ».
واختتمت دار الإفتاء أن قول «ربنا افتكره» عند الإخبار بوفاة شخص لا حرج فيه شرعًا، ولا يجوز سوء الظن بحمله على ظاهره اللغوي، بل الواجب حمله على المعنى العرفي الحسن وهو الرحمة، وهو ما يتفق مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها.