سامح فايز يكتب: كيف خاض الجيل الرقمي للإخوان حربه الإلكترونية ضد الانتخابات البرلمانية؟

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: كيف خاض الجيل الرقمي للإخوان حربه الإلكترونية ضد الانتخابات البرلمانية؟

سامح فايز يكتب: كيف خاض الجيل الرقمي للإخوان حربه الإلكترونية ضد الانتخابات البرلمانية؟

مع انتهاء المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية فى القاهرة وباقى محافظات الجمهورية، اتضحت ملامح معركة موازية لم تكن تجرى داخل اللجان أو أمام المقار الانتخابية، بل على الشاشات، وفى هواتف الشباب، وعلى المنصات التى يرتادها الجيل الجديد لساعات يومياً. فقد شهدت هذه المرحلة ما يمكن وصفه -دون مبالغة- بأكبر محاولة منظمة من الجيل الرقمى داخل جماعة الإخوان، ممثلاً فى مبادرات وحركات شبكية غير تقليدية، لاستهداف العملية الانتخابية عبر خطاب تشويهى كثيف يهدف إلى إرباك المتابع، وتعطيل ثقة الناخبين، وتصدير صورة مغايرة لما سجّلته المنظمات الرقابية المحلية والدولية التى تابعت سير الانتخابات وأعلنت أنها جرت دون وقائع تزوير أو تعطيل ممنهج.

ما حدث نستطيع قراءته من زاوية شديدة الأهمية؛ فقد برز جيل جديد لا يعمل داخل الهياكل التى عرفتها الجماعة طوال عقود، بل داخل فضاءات رقمية مفتوحة، مستفيداً من أدوات التواصل التى أتاحت له ما لم يتوفر للأجيال السابقة: القدرة على إنتاج محتوى وتأطيره وبثه ونشره خلال ثوانٍ، دون الحاجة إلى مركز تنظيمى أو جهاز إدارى. وهكذا، تغيّر شكل «اللجنة الإلكترونية» من مجموعات سرية مرتبطة بقرارات مركزية، إلى مبادرات أكثر مرونة ولا مركزية، تعمل أحياناً من غرف مغلقة فى أوروبا وأمريكا وتركيا، وأحياناً من حسابات مجهولة داخل مصر وخارجها.


هذا التحول ليس تفسيراً إعلامياً، بل قراءة مبنية على تحليل مضامين الخطاب الرقمى، ورصد أنماط تكراره، وطريقة توزيع الرسائل، إضافة إلى تتبع الحلقات الفكرية التى تربط بين هذه المبادرات وخطاب ما بعد 2013 داخل الإخوان، وهو خطاب تشكل فى بيئة صدمة تنظيمية، وصراع قيادى، وانسداد سياسى، دفع قطاعاً من شباب الجماعة إلى بناء «بدائل رقمية» تقدّم السردية الإخوانية فى قالب جديد، وتستهدف جمهوراً جديداً، خصوصاً الفئة العمرية من 15 إلى 35 سنة.


فى قلب هذا المشهد، تبرز مبادرة GEN-Z 002، وهى واحدة من أكثر المنصات تأثيراً فى الخطاب الرقمى المرتبط بالإخوان رغم حداثة إطلاقها. ظهرت المبادرة أول مرة على منصات تراهن على التفاعل اللحظى مثل ديسكورد وتيليجرام، وتستهدف بالأساس الفئات الأصغر سناً، مستخدمة لغة شبابية مشحونة بالعاطفة، وتوظّف السخرية والميمز والقصص القصيرة المصورة، إضافة إلى مقاطع تُمنتج بسرعة بهدف ضرب الثقة فى مؤسسات الدولة.


تكمن خطورة GEN-Z 002 فى بنيتها الشبكية المرنة، إذ لا تتخذ شكلاً تنظيمياً تقليدياً، بل تبدو -على مستوى السلوك- شبكة مترابطة من حسابات ومجموعات تتبادل المحتوى وتعيد تدويره على نحو يصعب معه تحديد مصدر الرسالة أو نقطة انطلاقها. وقد أثبتت المتابعة أن المبادرة لعبت خلال الأسابيع الماضية دوراً مركزياً فى توجيه موجات الهجوم على الانتخابات البرلمانية، وذلك من خلال أربعة مسارات أساسية:


1 - إنتاج رواية موحدة عن «انعدام النزاهة» رغم تناقضها مع تقارير المتابعة.


2 - محاولة خلق شعور بغياب المشاركة من خلال تضخيم صور غياب المشاركات فى بعض اللجان أو خلوها فى أوقات الظهيرة.


3 - تدوير فيديوهات قديمة وإعادة نشرها باعتبارها تصويراً لوقائع المرحلة الثانية.


4 - استهداف الوعى الشبابى بلغة قريبة من اهتماماته تعتمد الإيقاع السريع والرمزية العاطفية.


وقد تزامن هذا الخطاب مع ارتفاع كبير فى معدلات إعادة النشر لوسوم ومقاطع قصيرة ترتكز على فكرة أساسية مفادها أن «النتيجة محسومة سلفاً»، فى محاولة لنزع الدافع النفسى للمشاركة، أو التشكيك فى أى نتيجة تُعلن.
يكتسب الحديث عن GEN-Z 002 خصوصية أكبر عندما نضع فى الاعتبار الخلفية التى وردت فى الوثائق القضائية بشأن أنس حبيب، مؤسس المبادرة؛ وهو أحد الشباب الذين شاركوا فى مراحل من العمل الطلابى داخل الجماعة فى السنوات التى تلت 2011، قبل أن يُقبض عليه عام 2015 على ذمة قضية تتعلق باللجان النوعية التى تأسست داخل مصر عقب انهيار البنية الهرمية للإخوان.


لم يكن أنس شخصية قيادية فى التنظيم، لكنه كان مثل كثيرين جزءاً من الموجة التى خرجت من عباءة التنظيم التقليدى باتجاه العمل اللامركزى، سواء داخل مجموعات ميدانية أو لاحقاً عبر الفضاء الرقمى. وبعد انتهاء الجانب القانونى من قضيته، وابتعاد مساره عن مصر، صار اسمه مرتبطاً فى الأوساط المتابعة بمحاولات بناء خطاب شبكى جديد يتجاوز أدوات الجيل القديم، ويعتمد على الذكاء الرقمى، والانخراط فى مساحات لا يمكن ضبطها بسهولة.


هذا التاريخ، فى حد ذاته، لا يُستخدم لإدانة شخص، بل لفهم كيف يولد الجيل الرقمى داخل جماعة تمر بأعمق أزماتها منذ تأسيسها، وكيف يتحول جزء من كوادر 2013 - 2016 إلى «صُنّاع رواية رقمية» يستخدمون الخبرة التنظيمية السابقة دون الارتباط ببنية تنظيمية قائمة.


اتساع رقعة النشاط الرقمى داخل التنظيم مسألة لها العديد من الأسباب، منها، أن الشباب هو الفئة الأكثر استهلاكاً للمحتوى الرقمى، ولأنه القطاع الذى تراه الجماعة هدفاً مناسباً لاستعادة «الرواية»، بعد أن فشل التنظيم التقليدى فى الحفاظ على خيوط الاتصال مع الجيل الذى نشأ بعد 2011. فالجيل الجديد الذى وُلد بعد يناير 2011 ونشأ وسط تحولات سريعة، يُعد أكثر حساسية للخطابات العاطفية، وأكثر ميلاً للتفاعل مع رموز شبكية، وأكثر قابلية للاندماج فى محتوى يُعيد صياغة الوقائع بشكل قصصى، وهو ما تجيده مبادرات مثل GEN-Z 002 وغيرها.
على الرغم من الهجوم الرقمى، احتفظت العملية الانتخابية فى مرحلتها الثانية بانضباط إدارى وأمنى أثبتته:

تقارير المتابعة الصادرة عن المجلس القومى لحقوق الإنسان. وتقارير المنظمات المحلية التى تابعت فتح اللجان وإغلاقها. وبيانات الهيئة الوطنية للانتخابات. وهى تقارير لم تسجل أى وقائع تزوير ممنهج، ولا تعطيل منظم لسير العملية، ما يجعل موجة التشويه الرقمى فى حقيقتها محاولة لصناعة «صورة بديلة» لا علاقة لها بالحدث نفسه، بل بالصراع الممتد بين الدولة المصرية وشبكات الإخوان منذ 2013.


ما جرى خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة يؤكد أن المواجهة بين الدولة المصرية والإخوان لم تعد تدور حول التنظيم، بل حول الوعي؛ وأن الجيل الرقمى داخل الإخوان يحاول إعادة تقديم نفسه عبر خطاب مرن يصعب ضبطه، لكنه يبقى فى النهاية قابلاً للقراءة والتحليل والمواجهة من خلال أدوات مهنية واعية.


لقد أثبتت الدولة أنها قادرة على التعرف على الأنماط الرقمية الموجهة، وأن الرصد الإلكترونى اليوم لا يقل أهمية عن الرصد الأمنى، وأن الوعى العام -خصوصاً لدى الفئات الشابة- هو خط الدفاع الأول ضد محاولات التشويه المنظم.


إن ما حاولت المبادرات الرقمية الإخوانية فعله خلال الانتخابات البرلمانية لم يكن مجرد حملة تشويه، بل كان اختباراً جديداً لمدى قدرتها على التأثير فى جيل بات أكثر وعياً وأسئلة.


لكن القدرة على تدوير المحتوى لا تعنى القدرة على صناعة واقع؛ فقد كانت الانتخابات، بشهادات الجهات الرسمية والرقابية، مستقرة وهادئة ومنضبطة، وهو ما جعل خطاب التشويه ينكشف سريعاً بوصفه خطاباً لا يعكس الوقائع، بل يعكس أزمة رواية داخل جماعة فقدت أدواتها التنظيمية فتحولت إلى شبكات متفرقة تبحث عن حضور ولو عبر الوهم الرقمى.