نجيب محفوظ والمهمشون (3)

ظل نجيب محفوظ فى أغلب أعماله مخلصاً للقاهرة الأولى، قبل أن تتريف وتحط الأحياء العشوائية على جنباتها، أو تمتد على شكل زوائد دودية فى جسد بعض أحيائها العريقة والجديدة الغنية، لتدل على تناقض طبقى صارخ، وانقسام اجتماعى حاد، تعيشه مصر فى الوقت الراهن، بعد انهيار الطبقة الوسطى، التى أخلص لها «محفوظ»، ومنحها سمعه وبصره وقلمه، فرسم ملامحها، وفاض فى عرض تفاصيل حياتها ببراعة شديدة، كان مردها الأساسى انتماء «محفوظ» إليها، ومعرفته التامة بها، وبطرائق معيشتها.

أما الأحياء العشوائية، فقد نمت فى وقت كانت فيه صحة «محفوظ» تتراجع، واهتماماته الاجتماعية تنخفض إلى الحد البسيط الذى سمحت له بها سنه المتقدمة، وشيخوخته الضعيفة. فلما باتت هذه الأحياء الهامشية ظاهرة تقتحم العين اقتحاماً، وتحتل حيزاً كبيراً من انشغال علماء الاجتماع والسياسة، ومن تفكير صانعى القرار ومتخذيه بعد الربط بين «التهميش» و«الإرهاب»، أخذ الأدب يلتفت إليها بشدة، ويكتب عنها باتساع، ويروى حكايات من قلبها، تحمل قدراً هائلاً من الصدق الفنى والواقعية.

أما «محفوظ» فلم يعايش سكان المقابر أو يتجول فى العشوائيات، حيث الأكواخ وعزب الصفيح والشوارع المختنقة والبشر المتعبون البائسون، ومن ثم، لم يفلح فى تصويرها على وجه دقيق، بل وقف على تخومها، وبنى معلوماته عنها إما من السماع أو القراءة العابرة.

ويأتى ذلك على العكس مما فعل مع الطبقات الدنيا فى المدينة خلال رواية «بداية ونهاية»؛ فقد راح «محفوظ» يصف حال أبطالها الفقراء، ويعرض تفاصيل حياتهم ومعيشتهم؛ فى المأكل والمشرب والملبس والمأوى، وشكل الأثاث ونوعه، فنجح بذلك فى تحقيق كل ما يطلبه «المكان» من الروائى، إذ إن وصف الأمكنة لا يتأتى على وجهه الأكمل من دون ربطه بمكوناته، أو بالأشياء التى تلتصق به، وتشكل جزءاً أصيلاً منه.

وفى هذه الناحية، كان إبداع «محفوظ» عن العشوائية، سكناً وسلوكاً، إبداعاً باهتاً، ليس على مستوى الكم فحسب، بل أيضاً على مستوى الكيف. فـ«محفوظ» رأى هذه الأحياء وسكانها من الخارج، خاصة فى «قلب الليل» التى تتسم الشخصيات العشوائية فيها بالنمطية، وتتصف بالقبح الشديد، أو «الشر الخالص»، المتمثل فى فحش القول والتصرف، وانهيار القيم وغياب التقاليد التى ارتضتها الجماعة العادية والسوية وتوافقت عليها.

فحتى الشىء الذى أعجب بطل الرواية، جعفر الراوى، فى «مروانة» ارتبط أساساً بإمكاناتها الجسدية، فهى فى نظره «فاتنة بفطرتها، كلسان من لهب» و«تتدفق منها الفتنة والسحر والتحدى». وهذه الإمكانات تحولت فى نظر «الراوى» إلى طاقة شر، لأنها جعلته يستسلم فى رحابها كاشفاً عن ضعفه بقوة وعنف، يجرى كمطارد أو مجنون فاقد الوعى، وهنا يقول لـ«شكرون»: «إنى ضحية الشهوة العمياء».

إن هذا الصوت الخافت لسكان العشوائيات فى أدب نجيب محفوظ لا ينبع من تعمد الرجل إهمالهم، أو التعالى عليهم، فهم فى خاتمة المطاف ينتمون إلى عالم «الحرافيش» الذى شيد «محفوظ» الجزء الكبير من أدبه على أحلامهم وأشواقهم إلى العدالة، إنما ينبع من عدم إلمامه الكافى بهذه الدنيا الجديدة، التى طفحت وفاحت رائحتها فى وقت كان فيه «محفوظ» يكاد أن يشرف على إنهاء مشروعه الروائى، بعد حصوله على جائزة نوبل وهو ابن السابعة والسبعين عاماً، خاصة بعد توعك قدرته على الكتابة إثر محاولة اغتياله عام 1994.

وفى ظنى أن الظروف لو كانت قد أتاحت لـ«محفوظ» أن يلج إلى هذا العالم المتوحش، الغارق فى البؤس والفوضى، فمن المحتم أنه كان سيسلط عليه ضوءاً مبهراً فى رواياته وقصصه الأخيرة، فى ظل رغبته المتجددة فى أن يواكب تطورات عصره، ويهتم بالتغيرات الاجتماعية والتحولات الطبقية، وهو ما بان من تعليقه على قصة «الحب فوق هضبة الهرم» التى عالجت مشكلات الشباب الجديد فى الحصول على عمل مناسب وسكن وتجهيز بيت الزوجية.