الجدل المحمود في دولة التلاوة
تلاوة القرآن أسلوب حياة للمصريين، فلا يوجد بيت مصرى إلا ويبدأ يومه بإذاعة القرآن الكريم، أو تسجيل لأحد كبار المشايخ فى سيارته يؤنسه فى الطريق، أو حتى فى وسائل المواصلات، خاصة الميكروباص، أو أن البعض يستمع إلى آيات الذكر الحكيم وهو يعمل، بل إن عدداً كبيراً من المحلات التجارية تقوم بتشغيل القرآن طوال اليوم، خاصة فترة الصباح، لم يقتصر حب المصريين للقرآن وتلاوته والأصوات الملائكية التى تتلوه على هذا فقط، ففى المناسبات السارة لا بد من افتتاح المناسبة بآيات من الذكر الحكيم، حتى فى الأحزان القرآن لا يُغلق طوال فترة الحداد، ويسعى بعض العشاق إلى متابعة شيوخ بأعينهم فى المساجد والمناسبات، وأعرف أشخاصاً يسافرون من محافظة إلى أخرى لسماع صوت الشيخ المفضّل لهم.
إذن سماع القرآن فى مصر طقس يومى يسمعه المسلم والمسيحى على حد سواء، يُشنّفون آذانهم بحلاوة الترتيل والتجويد والصوت، يعلمون من أول آية من القارئ وبأى قراءة يتلو؟، ولكن فى السنوات الأخيرة ابتعد البعض عن المدرسة المصرية فى التلاوة، وراحوا يستمعون إلى مدارس أخرى فى بعض الدول العربية، ومن هنا جاء برنامج «دولة التلاوة»، البرنامج الذى يؤكد استمرارية المدرسة المصرية فى ريادتها بالتلاوة، وليس كما يقول البعض «إعادة إحياء»، لأن المدرسة المصرية لم تمت لإعادة إحيائها، وهو ليس مجرد برنامج اكتشاف الأصوات، بل هو مشروع متكامل بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ووزارة الأوقاف المصرية لإبراز جماليات التلاوة وروحانياتها من خلال تميّز الأصوات والحفظ والتجويد والترتيل ودقة الأحكام وحُسن الأداء وتقديم نماذج متفرّدة للقدوة الحسنة بين الشباب وخلق جيل جديد من القراء يكمل مسيرة الأجيال السابقة لتستمر المسيرة.
ومع أولى حلقات البرنامج، سادت فى الشارع المصرى حالة من التوحّد مع البرنامج وإجماع عام بنجاحه وأهميته وعظمته وساد معه جدال محمود حول مجموعة من القضايا، منها حكم المقامات الموسيقية فى التلاوة، وهو ما ردت عليه دار الإفتاء ووزارة الأوقاف «بأنه تحسين القراءة وتجميل الصوت لا حرج فيه»، وقضية تقديم الإعلامية آية عبدالرحمن، التى أخذت مساحة كبيرة على السوشيال، ومحاولات استبدالها بمذيع، مع أنها تميّزت فى تقديم البرنامج بشكل راقٍ ومهنى محترم، وكذلك الخلافات على خروج متسابقين من المنافسة، والتى تُشعل مع كل حلقة مواقع التواصل الاجتماعى من حلاوة الأصوات وطلاوتها، أعتبر هذا الجدل هو سر نجاح البرنامج ووصوله إلى كل الفئات والطبقات المصرية وتخطى هذا ليكون حديث العالم الإسلامى كله.
هنا يجب أن أشكر صاحب الفكرة والشركة المتحدة لتحمسها لإنتاجه، ووزارة الأوقاف، متمثلة فى الوزير المثقف د. أسامة الأزهرى، الذى لم يكتفِ بالدعم، بل حرص على حضور بعض الحلقات، وكان وجوده فاعلاً فى ثراء التسابق، ويكون شاهد عيان على ميلاد عشرات من القراء الجدد، كما لا أغفل من هم خلف كواليس هذا البرنامج من لجان اختيار، والتى قامت بفلترة 14 ألف متسابق من كل محافظات مصر، ليدخل البرنامج 32 فقط، فضلاً عن مهندس الديكور والإضاءة اللذين صنعا مسرحاً نابضاً بالحيوية والمصرية، خاصة إضاءة من يقرأ وهى أشبه بالقراءة داخل برج القاهرة، وكذلك الإخراج والتصوير اللذان يتنقلان بالصورة بين المتسابقين واللجنة والمذيعة بسلاسة ويُسر دون إرهاق للعين.
نحن لسنا أمام برنامج، ولكننا أمام حالة ستستمر باستمراره طوال المواسم القادمة، والتى ستشهد إقبالاً متزايداً من المواهب، لتصل إلى عشرات الآلاف من القراء.