أشرف غريب يكتب: عمار الشريعى.. الرجل الرابع
أشرف غريب يكتب: عمار الشريعى.. الرجل الرابع
ذات مرة سألت الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة عن أصحاب النقلات الموسيقية الكبرى فى القرن العشرين فقال إنهم أربعة: سيد درويش، محمد فوزى، بليغ حمدى، ثم عمار الشريعى، فلما قلت له: لماذا أخرجت أسماء مهمة مثل القصبجى ومحمد عبدالوهاب من القائمة؟ أجابنى، لا أحد يمكن أن ينكر روح التجديد التى كانت فى موسيقى القصبجى وعبدالوهاب وغيرهما كمدحت عاصم ومنير مراد مثلاً، لكن الرباعى «درويش وفوزى وبليغ والشريعى» كانوا وهم يأخذون بيد الموسيقى المصرية إلى آفاق جديدة غير بعيدين بالمرة عن الروح المصرية منغمسين فيها حتى لو اكتست موسيقاهم -ولا سيما «الشريعى»- بأصوات الآلات الغربية.
هذه المكانة الخاصة التى وضع فيها «عكاشة» تجربة الموسيقار الكبير عمار الشريعى (16 أبريل 1948 - 7 ديسمبر 2012) جنباً إلى جنب مع الثلاثة الكبار «درويش وفوزى وبليغ» كانت تكراراً لرأى اثنين من صانعى الدراما على شاشة السينما أو عبر الشاشة الصغيرة هما المخرجان حسين كمال ومحمد فاضل، فأى ذائقة أو منطلق فكرى كان يحكم اختيارات هؤلاء الثلاثة تحديداً؟ إذا تأملت العامل المشترك بين هؤلاء الثلاثة تحديداً تدرك ببساطة أنهم صناع محتوى درامى شديد الخصوصية، وفى كثير من الأحيان أقرب إلى الطابع الملحمى، وأن ثلاثتهم أصحاب تعاون مهم مع موسيقى «الشريعى»، وهذا معناه التأكيد على قدرة ابن صعيد مصر على التعبير موسيقياً عن الحدث الدرامى، فإذا كان سيد درويش قد نقل موسيقانا الشرقية والمصرية تحديداً من التطريب العثمانلى إلى التعبير المصرى، ولا سيما فى أعماله للمسرح عبر أكثر من ثلاثين أوبريتاً غنائياً، وإذا كان محمد فوزى قد حرّر إيقاعات موسيقانا من رتابتها وتجهمها إذا جاز التعبير، وإذا كان بليغ حمدى قد استلهم الروح الفولكلورية فى موسيقاه فإن «الشريعى» كان قادراً هو الآخر على إنطاق موسيقاه الدرامية تحديداً بتلك القدرة التعبيرية الهائلة، نعم بدأ «الشريعى» مشواره الاحترافى عازفاً للأكورديون ثم الأورج خلف الراقصات والمطربين فى الملاهى والحفلات الغنائية، ونعم أيضاً عرفه الناس أولاً كملحن للأغنية الفردية التقليدية عندما لحن للمطربة مها صبرى منتصف السبعينيات من القرن الماضى أغنيتها الشهيرة «امسكوا الخشب» غير أن الرجل الذى أثبت على مدى مشواره أنه صاحب باع طويل فى تلحين الأغنية الفردية لكبار مطربينا كان بإمكانه الاكتفاء بما يدره عليه الغناء المطلق من شهرة ومال، لكنه راح يشق لنفسه طريقاً آخر أصبح هو «ألفته» وأهم مبدعيه، فإذا كان الموسيقار بليغ حمدى قد نقل إلى السينما الشكل الملحمى من خلال تجربتيه المهمتين مع المخرج حسين كمال فى فيلمى «شىء من الخوف» سنة 1969 و«إحنا بتوع الأوتوبيس» سنة 1979 فإن عمار الشريعى كان صاحب الفضل الموازى فى نقل القالب الملحمى إلى الدراما التليفزيونية بداية من مسلسل «الأيام» للمخرج يحيى العلمى أوائل الثمانينيات من القرن الماضى، الذى ألح عليه كثيراً فيما بعد فى مسلسلات أخرى مثل «وقال البحر» و«ليلة القبض على فاطمة» و«عصفور النار» للمخرج محمد فاضل، و«النديم» للمخرجة علوية زكى، «شيخ العرب همام» إخراج حسنى صالح، دون أن نغفل تجاربه السينمائية الأقرب هى الأخرى إلى الملحمية وعلى رأسها فيلم «البرىء» للمخرج عاطف الطيب، ناهيك طبعاً عن مقدمات المسلسلات التى كانت ألحان «الشريعى» أحد أسباب نجاحها، والقائمة فى ذلك تطول، خذ لذلك مثلاً: «بابا عبده، الشهد والدموع بجزأيه، أبوالعلا البشرى بجزأيه، مبروك جالك ولد، أنا وانت وبابا فى المشمش، العائلة، أميرة فى عابدين، أوبرا عايدة، أرابيسك، زيزينيا» وغيرها، وتلحظون بالطبع أن كثيراً من هذه الأعمال كانت من تأليف أسامة أنور عكاشة، وهذا يفسر لماذا وضع «عكاشة وكمال وفاضل» عمار الشريعى فى هذه المكانة الخاصة.
وفى الوقت الذى ظن فيه الكثيرون أن «الشريعى» دائماً بحاجة إلى الكلمة المكتوبة كى تقود إحساسه إلى الجملة الموسيقية إذا به ينفجر فى مجال القصيد السيمفونى أو الموسيقى البحتة كواحد من أهم من وضعوا الموسيقى التصويرية للأعمال الدرامية فى السينما والتليفزيون، وربما كانت موسيقى المسلسل التليفزيونى الشهير «دموع فى عيون وقحة» مع المخرج يحيى العلمى هى أول الأعمال المهمة فى هذا الصدد حتى لو لم تكن الأولى زمنياً، ثم جاءت درته الخالدة «رأفت الهجان» مع المخرج نفسه لتؤكد أن النجاح لا تصنعه الصدفة وأن «الشريعى» ماضٍ فى طريقه نحو كتابة اسمه فى تاريخ الموسيقى التصويرية جنباً إلى جنب مع العباقرة: فؤاد الظاهرى وعلى فراج وإبراهيم حجاج وعلى إسماعيل وأندريا رايدر.
باختصار فإن «الشريعى» الذى تمر اليوم الذكرى الثالثة عشرة على رحيله كان له موطئ قدم وبصمة فى كل مجال إبداعى مر عليه، ولذلك بقيت ذكراه حاضرة، ومكانه شاغراً رغم مرور كل هذه السنوات لأن المبدعين الحقيقيين لا يرحلون.