ظاهرة «أديب الشباب» (2)

في أيام نشاطه، ولمَّا أعيته الحيل في لفت الانتباه إليه، أو أراد مزيداً من هذا، راح محمود عبدالرازق عفيفي، الذي لقّب نفسه بـ«أديب الشباب»، يناوش الأزهر، وهي حيلة طالما لجأ إليها البعض، بحثاً عن ذيوع، فألف كتاباً صادماً، ينطوي، حسب علماء الدين، على تجديف وإلحاد ومعارضة للشريعة، في تفسيره لآيات قرآنية لم يُحسن حتى كتابتها على نحو سليم، وتجريد الأنبياء والرسل من العصمة، والصحابة من الإجلال والمهابة. ولم ينسَ فى كتابه هذا يمعن في إقحام الجنس فى الموضوع، ليزيد من الصدمة.

وتحقّق له ما أراد، حيث قدم مجمع البحوث الإسلامية بلاغاً ضده، متهماً إياه بازدراء الأديان، والإضرار بالسلم الاجتماعى، فكتب على الجدران: «منى عبدالغني والشرطة والأزهر يطاردونني».

مثل عفيفى أمام أشرف العشماوى، وكيل النائب العام، وهو أيضاً روائى بارز، والذى حقّق معه. أدرك العشماوى أن الرجل يريد أن يُحبس فى ما كتب لينال شهرة انتظرها، فأفرج عنه. ويحكى العشماوى هذه الواقعة، قائلاً: «قلت له بعد انتهاء التحقيق: تفضل مع السلامة، فتقلّبت ملامحه، وهو يتساءل عن قرار حبسه، فلمَّا أجبته بأنه لن يُحبس، ولن يدفع كفالة، ولا أى شىء، وأن المحضر سيُحفظ أيضاً، فقط عليه أن يفتح باب المكتب وينصرف إلى بيته، ثار وغضب وكاد يبكى. وبعد محاولات مضنية لتهدئته مع الوعد بالنظر فى أمر حبسه ومحاكمته!! قال بنبرة متوسلة وهو قُرب الباب: ينفع طيب أقول للصحفيين إنى محول للمحاكمة بسبب كتبى، وحضرتك تنفى الخبر بعدها بيوم أو اتنين!».

مع مواصلة الكتابة على الجدران كان عفيفى يتردّد على «مطبعة النصر» بشارع الجيش، وسط القاهرة، لطباعة كتبه. وكان صاحبها الحاج بكرى يطبع له خمسة آلاف نسخة من كل عنوان، يتولى هو حملها وتوزيعها على باعة الصحف فى الميادين الرئيسية، ويتابع بيعها عن كثب. وفى بعض الأوقات أعطى صحيفتى «الأهرام» و«الجمهورية» حق التوزيع، وكتب يشكرهما على مساعدته فى إيصال كتبه إلى الناس.

رغم كل ما بذله «عفيفى» من جهد فى سبيل لفت الانتباه إلى نفسه، فإنه بقى فى ظل كل هذا الذيوع واحداً من كتاب الهامش. فلا ملء الجدران باسمه جعل الناس يواصلون قراءة كتبه، ولا النقاد كتبوا عنه، ولا دور النشر أعادت طباعتها، ولا الأدباء اعترفوا به واحداً منهم، بل ظلت حالته ظاهرة اجتماعية نفسية، وليست أدبية، تُستعاد على سبيل الطرافة أو الغرابة أو عدم القدرة على التحقّق، مهما بلغ الإشهار مداه، طالما أن النص المعلن عنه ليس جيداً، ليظل الرجل وفق الناقد د. محمد بدوى «بطلاً فى دنيا الهامشيين الذين لا صوت لهم، القابعين خارج المتن، الباحثين عن تسلية بسيطة أو فكاهة».

ربما لو كرس عفيفى جهده فى تجويد نصه، بمزيد من القراءة والدربة، لصار وضعه بين أهل الكتابة أفضل من هذا، فمحمد بدوى يرى أن نصوصه «لم تكن ذات طبيعة ركيكة، كما يحلو للبعض وصفها، وإنما كان صاحب قدرة كبيرة على السرد الشيق، حتى وإن خلا من بناء تقليدى، ويتمتّع بخفة دم ظاهرة، علاوة على أنه متأثر للغاية بصورة المثقف الكلاسيكى، ذلك الذى يتحدث فى كل شىء».

ويُعطى «عفيفى» مثلاً صارخاً على أن الإلحاح فى إعلان الكاتب عن نفسه، وسعيه إلى الشهرة بأى ثمن، حتى لو كانت كتابات صادمة فى الدين والسياسة والجنس، التى نطلق عليها التابوهات الثلاثة، يؤدى إلى نتائج عكسية، عملاً بالقاعدة التى ترى أن تضخم واستمرار الإعلان عن سلعة فى إلحاح شديد، يعنى أنها بائرة، وقد يؤدى إلى تشكّك الناس فى جودتها، ومن ثم يمتنعون عن شرائها.

إن هذا الذيوع فى الهامش الذى كسبه عفيفى سنوات سرعان ما انحسر عنه، إذ توقف عن الكتابة، وقضى حياته كسيراً، مع تأثره النفسى الشديد بتجربة السجن، وشظف العيش، يقلب قصاصات من الجرائد التى تتحدّث عنه، ويحملق فى الأدوات التى كان يستعملها فى الإعلان عن نفسه، والتى لا يزال محتفظاً بها فى شقته البسيطة، التى تشهد جدرانها على خوفه واعتزاله وقنوطه.