عالميا.. كيف تحول جماعة الإخوان «بيزنس الحلال» إلى شريان تمويلي واستخباراتي خفي؟

كتب: محمد علي حسن

عالميا.. كيف تحول جماعة الإخوان «بيزنس الحلال» إلى شريان تمويلي واستخباراتي خفي؟

عالميا.. كيف تحول جماعة الإخوان «بيزنس الحلال» إلى شريان تمويلي واستخباراتي خفي؟

يمثل سوق الحلال العالمي إمبراطورية مالية وتجارية ضخمة، تتجاوز قيمتها سبعة تريليونات دولار وتستمر في النمو بوتيرة متسارعة، وهو ما فتح لجماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب في عدة دول، نافذة للاستفادة من هذا القطاع الضخم، فعلى مدى عقود، وظفت الجماعة استثمارات ضخمة في مشروعات تجارية واستراتيجيات مالية في دول متعددة، مع إخفاء أي صلة رسمية بها، ويكشف هذا النهج عن أسلوب الإخوان التقليدي، القائم على استخدام واجهات مستقلة وهياكل معقدة، تضمن استمرار تدفق الأموال بعيدًا عن الرقابة القانونية.

ث

وتشير التقارير والتحليلات إلى أن جماعة الإخوان لم تكتفِ بالاستثمار المالي فحسب، بل وظفت هذه الأموال أيضًا لبناء نفوذ اجتماعي وسياسي داخل المجتمعات الإسلامية في الغرب والدول غير الناطقة بالعربية، مستغلة الطلب المتزايد على المنتجات والخدمات الحلال، بما في ذلك الأغذية، المستحضرات، والخدمات المالية، لتوسيع شبكتها العالمية الخفية، وفقا لتقرير نشرته «سكاي نيوز».

الإخوان بدأوا نشاطهم في روسيا بالاستثمار في تجارة اللحوم

وفي كثير من الأحيان، كان بيزنس الحلال مقدمة لنشاط الجماعة في دول محظورة فيها من الناحية الرسمية كروسيا، على سبيل المثال، التي بدأ الإخوان فيها نشاطهم بالاستثمار في تجارة اللحوم الحلال ثم أنشأوا فرعًا للجماعة باسم اتحاد المنظمات الإسلامية في روسيا، والذي عمل كفرع لمنظمة الإخوان المظلية في أوروبا «اتحاد المنظمات الإسلامية»، الذي غير اسمه لاحقًا إلى «اتحاد مسلمي أوروبا»، وذلك بحسب ما أقر به رئيس الاتحاد في روسيا وسام البردويل في مقال سابق نشره عبر الموقع الرسمي للاتحاد، قبل أن يُحذف تمامًا بعد انكشاف صلاته بالإخوان، المحظورة في روسيا، قبل سنوات معدودة.

تزامن نمو سوق الحلال مع الصعود الكبير للجماعات الإسلامية في الغرب، وقد رصدت عالمة الأنثروبولوجيا الفرنسية فلورنس بيرجود بلاكلر، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ورئيسة المركز الأوروبي للأبحاث والمعلومات في كتابها «سوق الحلال أو اختراع تقليد» المنشور عام 2017، تطور السوق ليشمل الأدوية ومستحضرات التجميل والخدمات المالية والسياحة.

الإخوان طوروا شبكاتهم المالية

وهو ما أكده تقرير السوق العالمي للأغذية الحلال الصادر في يناير 2025، عن شركة «ريسرش آند ماركتس» العالمية، الذي يُظهر أن حجم سوق الأغذية الحلال، يتوقع أن يصبح نحو 2 تريليون دولار نهاية عام 2025، بمعدل نمو سنوي قدره 14.4%.

وبطبيعة الحال، فرض هذا التطور على الهيئات العاملة في مجالات إصدار شهادات الحلال التعاون فيما بينها، كما بدأت تلك الهيئات استخدام تقنيات البلوك تشين للتحقق من تجارة الحلال، وتوظيف المنصات الرقمية في إصدار الشهادات.

«الإخوان» خصصت مبالغ لرعاية أنشطتها لنشر أيديولوجيا الجماعة

ي

ونظرًا لتعدد الهيئات العاملة في إصدار شهادات الحلال في مختلف الدول، وجدت جماعة الإخوان، المدرجة على قوائم الإرهاب، فرصة للدخول إلى هذا السوق واستثمار أموالها فيه، لأنه لا توجد هيئة واحدة معنية بتنظيم سوق الحلال أو إصدار الشهادات الخاصة به، فمعيار الحلال هو نتاج مشترك لمعايير متعددة، أي أنه معيار ناتج عن مفاوضات بين أطراف اقتصادية، ودينية، وتنظيمية، وفقًا لما ذكرته العالمة الفرنسية.

وعملت أفرع الإخوان في الدول غير الإسلامية، بتوجيه من التنظيم الدولي، على التغلغل في بيزنس الحلال مستفيدةً من وجودها في المجتمعات الإسلامية المحلية في الدول الأوروبية والآسيوية ودول أمريكا الشمالية والجنوبية، من أجل إصدار شهادات الحلال، وبتحليل أسلوب عمل الكيانات المرتبطة بالإخوان والعاملة في إصدار شهادات الحلال يتضح أن الأفرع الإخوانية الرسمية لا تُصدر الاعتماد بشكل مباشر وإنما تنشئ منظمات أو غرف تجارية معنية بإصدار الشهادات، وتكون هذه الكيانات مرتبطة بالمراكز الإسلامية والجمعيات التي تديرها الإخوان، فتقوم هذه الكيانات بالقول إنها حصلت على اعتماد من المراكز الإسلامية (المرتبطة بالإخوان)، وتخصص جزءًا من عوائدها لرعاية أنشطة هذه المراكز التي تنشر أيديولوجيا الإخوان وتقوم بالعمل التنظيمي لصالح الجماعة.

وتجني المنظمات العاملة على إصدار رسوم الحلال أموالا طائلة، بصورة بسيطة، إذ يُفرض على كل مطعم أو شركة أو مؤسسة تجارية أو مجزر للحوم أو غيره أن تدفع رسومًا أو أمولا محددة مقابل الحصول على شهادة الحلال أو تجديدها بشكل دوري (سنوي عادة)، سواء كانت هذه الشهادة للسوق المحلي أو للتصدير، وهذا يضمن استمرار تدفق الأموال لخزينة الإخوان بصورة دائمة، لأنه كلما اشترى شخص سلعة من السلع الحاصلة على اعتماد «الحلال» ضمنت جماعة الإخوان دخول أموالا إلى محفظتها المالية.

ولا يكون أي من هذه الكيانات العاملة في إصدار شهادات الحلال مرتبط بالجماعة من حيث الرابطة القانونية أو الشكلية وإنما تكتفي بالقول بأنها كيان إسلامي عامل في تجارة الحلال العالمية، وهذا يتيح للجماعة التخفي وسط الإمبراطورية الضخمة لشبكات الحلال العاملة في مختلف القارات والدول.

ويتيح هذا التخفي لهذه الكيانات المرتبطة بالجماعة من الأساس أن تنفي صلتها بها حال واجهت أي تدقيق في أنشطتها، وتستغل الإخوان القوانين الأوروبية والأمريكية وغيرها في هذا الصدد، فهي تنشئ شركات خاصة مرتبطة بأفراد قد يبدو من الظاهر أنهم ليسوا على صلة بالإخوان غير أنهم في الواقع مجرد واجهات تابعة للإخوان، وهذا يظهر عند متابعة أنشطتهم.

وبهذه الطريقة، تمكنت الكيانات المرتبطة بالإخوان في أستراليا والعاملة في صناعة الحلال في الإفلات من حملة أطلقها حزب أمة واحدة ومنظمات أسترالية أخرى اتهمت فيها هذه الكيانات بتمويل الإرهاب، وتوجد في أستراليا 6 كيانات معنية بإصدار شهادة الحلال منها الاتحاد الأسترالي للمجالس الإسلامية AFIC ومجلس الأئمة الفيدرالي الأسترالي ANIC، وكلاهما لهما ارتباط بالإخوان كما أن بعض مسؤولي هذه الكيانات معروفون بأنهم كوادر إخوانية.

وحاول مواطنون إقناع مجلس الشيوخ الأسترالي بوجود هذه الصلة عبر خطابات وجهوها له، من قبل، قالوا فيها إن الشركات العاملة في تجارة الحلال مجرد واجهات احتيالية تستخدم لتمويل أنشطة جماعة الإخوان وأن تلك الشركات تدعم أيديولوجيا انفصالية تضر بالمصالح الأسترالية.

ولاقت هذه الحملة انتشارًا واسعًا، لكنها لم تفضِ إلى اتخاذ إجراءات ضد المنظمات المرتبطة بالإخوان والعاملة في تجارة الحلال لأن التحقيق الذي أشرف عليه مجلس الشيوخ خلص، في تقريره النهائي الصادر في 115 صفحة، إلى عدم وجود روابط مباشرة بين المنظمات العاملة في تجارة الحلال وجماعة الإخوان، رغم أن مسؤولين بالمؤسسات العاملة في بيزنس الحلال في أستراليا أقروا بتقديم تبرعات إلى كيانات معروفة بصلاتها بالإخوان مثل منظمة الإغاثة الإسلامية، وهو ما وثقه تدقيق حقائق أجرته هيئة الإذاعة الأسترالية ABC، لكنه لم يستطع إيجاد رابط مباشر بين تجارة الحلال وتمويل الإرهاب.

والحقيقة أن جماعة الإخوان كانت قد تحسبت لاتخاذ خطوات شبيهة ضدها، وحين أنشأت شركاتها العاملة في هذا المجال حرصت على ألا تكون شركات عامة وبالتالي فليس عليها أن تُصدر إفصاحًا علنيًا عن أرباحها أو تبرعاتها، كما أن تلك الكيانات تقوم بالتبرع لرعاية أنشطة طلابية أو دعوية أو خدمية أو إغاثية مرتبطة بالإخوان، لكن بصورة غير مباشرة وبالتالي فإنها تنجو من إجراءات التدقيق في أنشطتها مع أنها تبقى في الحقيقة جزءًا من شبكة تمويل الإخوان ومصدرًا لا ينضب لتمويلها.

وتدير جماعة الإخوان عن طريق واجهتها في أوروبا شبكة منخرطة في قلب بيزنس الحلال، فالجماعة الإسلامية الألمانية (DMG)، المعروفة سابقًا باسم التجمع الإسلامي في ألمانيا (IGD)، هي واحدة من الكيانات الإخوانية المشرفة على منح شهادات الحلال في ألمانيا.

كما أن مجلس مسلمي فرنسا الذي كان من قبل معروفًا باتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا UIOF حقق أرباحًا طائلة من بيزنس الحلال، وكذلك الحال مع المركز الثقافي الإسلامي في جنيف بسويسرا، وجمعية المسلمين الكنديين في كندا وغيرها من الكيانات حول العالم التي حصدت أرباحًا من هذه التجارة.

ولكشف حجم التعقيد وتنقل الأموال عبر الشبكة الإخوانية المستفيدة من بيزنس الحلال، نعود إلى وقائع محددة أظهرت هذا التداخل ومنها، حظر جمعية كندية مرتبطة بالإخوان وهي جمعية عرفان، IRFAN-Canada، فالجمعية تلقت تبرعات من جمعية المسلمين الكنديين التي لها صلات بالجماعة، وقامت خلال الفترة من 2005: 2009 بتحويل حوالي 14.6 مليون دولار إلى كيانات مرتبطة بحركة حماس في فلسطين، وهذا يبرهن على حجم التداخل بين شبكة الإخوان المالية وأن الأموال التي تُجنى من مصادر متعددة منها تجارة الحلال تجد طريقها إلى تمويل أنشطة التنظيم، وبعد التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن الكندية في أنشطة جمعية عرفان خلصت السلطات إلى إلغاء تصريحها وتصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية، عام 2014، بيد أن الكيانات الأخرى المرتبطة بالإخوان في البلاد نجت من هذا المصير.

وفي الولايات المتحدة، عملت منظمات حددها معهد هدسون للأبحاث في تقرير صادر عنه كواجهات إخوانية، منها الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (ISNA)، وجمعية الطلاب المسلمين (MSA)، في أنشطة مشتركة مع إحدى المنظمات الرئيسية لإصدار شهادات الحلال وهي المجلس الإسلامي للأغذية والتغذية في أمريكا (IFANCA).

وذكر التقرير أن أحد مؤسسي جمعية الطلاب المسلمين، وهو قيادي مُحسوب على الإخوان، شغل عضوية مجالس إدارات في هذه الكيانات مثل IFANCA والصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية (NAIT)، مما يبرهن على التداخل الذي وصفه المعهد في شبكة الجماعة.

المنظمات العاملة على إصدار رسوم الحلال تجني أموالا طائلة

وتبقى هذه الشبكة المالية، بما فيها من كيانات عاملة في بيزنس الحلال، سرية إلى حد كبير، ولا تنكشف عادة إلا في مناسبات نادرة منها الخلافات بين كوادر الجماعة، ومثال ذلك ما حصل عام 2019، حين كشف أحد المصدرين الرئيسيين للحوم الحلال في البرازيل، وعضو في فرع الجماعة الإسلامية اللبنانية، في رسالة إلى رابطة العالم الإسلامي، أن قيادياً آخر في الجماعة الإسلامية اللبنانية هو جزء من الشبكة العالمية للإخوان وأحد أدوات تمويل تنظيمها الدولي، وهو ما لفت الانتباه إلى شبكة بيزنس الحلال في البرازيل وأمريكا اللاتينية.


مواضيع متعلقة