محمود مرزوق يكتب: أم كلثوم التى لا تغيب!

كتب: editor

محمود مرزوق يكتب: أم كلثوم التى لا تغيب!

محمود مرزوق يكتب: أم كلثوم التى لا تغيب!

عقب نكسة يونيو 1967، غرقت مصر فى صمت ثقيل، صمت الهزيمة والصدمة والإحباط الجماعى. كان المصريون جميعاً يكابدون حالةً من المرارة أمام حجم الكارثة التى حلت بالبلاد. لكن الحياة لا بد أن تستمر، وكان على الفن أن يستعيد دوره فى مواساة الشعب وبث الأمل فى نفوس المصريين.
بعد قرابة شهرين من الهزيمة، عادت أم كلثوم إلى الغناء، وكانت أولى خطوات العودة قصيدة: «هذه ليلتى». من يستمع إلى صوت أم كلثوم فى هذا الحفل لا بد أن يستشعر الأسى الذى حوّل هذه القصيدة الرومانسية الحالمة إلى مرثية. كانت مصر حينها تحاول الخروج من الحرب وإزالة آثار العدوان، وهى مأزومة اقتصادياً، تلملم جراحها وتحاول النهوض من كبوتها.
فى هذه اللحظة الفارقة من عمر الوطن، قررت سيدة الغناء العربى، وهى فى السبعين من عمرها، أن تتحول من مطربة إلى مقاتلة من نوع خاص. لم تكتف أم كلثوم بالغناء لرفع المعنويات، بل اتخذت قراراً استثنائياً بتخصيص كامل دخل حفلاتها لدعم المجهود الحربى. كانت هذه المبادرة بمثابة مهمة قومية ووطنية تبنتها أم كلثوم بكل إخلاص، ورغم تقدمها فى السن ومتاعبها الصحية وحاجتها إلى الراحة، بدأت رحلتها فى محافظات مصر ابتداءً من أغسطس 1967.
طافت بمحافظات البحيرة والإسكندرية والدقهلية والغربية، تغنى للمصريين وتجمع التبرعات. بلغ إجمالى دخل حفل مدينة طنطا 277 ألف جنيه. ولم تتوقف عند حدود مصر، بل امتدت رحلتها إلى العالم العربى وأوروبا: باريس، والمغرب، والكويت، والسودان، وتونس، والشام، وليبيا، والإمارات. فى كل بقعة كان صوتها يتحول إلى جسر يربط المصريين والعرب بقضيتهم، وكانت حفلاتها تتحول إلى حملات تبرع ضخمة.
تجمعت من هذه الحفلات مبالغ مالية كبيرة، توجّهت كلها لدعم بناء قدرات الجيش المصرى، الذى كان يخوض حرب الاستنزاف فى سيناء. كان صوت أم كلثوم يتحول إلى ذخيرة وعتاد، ربما كان صوتها هو الذى اشترى رصاصة أصابت هدفها، أو أسهم فى تجهيز دبابة شاركت فى معركة العبور.
ولا شك أن أم كلثوم كانت من أكثر المصريين سعادة عندما علمت أن جيشنا قد عبر قناة السويس فى أكتوبر 1973، وفى طريقه لاستعادة الأرض المحتلة فى سيناء. كانت تلك اللحظة تتويجاً لسنوات من الجهد والعطاء المتواصل، كانت فيها «الست» من جنود تلك الحرب المجيدة.
بالطبع لا تحتاج أم كلثوم إلى مدح أو إطراء، فمكانتها محفوظة فى قلوب الملايين بفنها الخالد وصوتها الذى لا يُنسى. شعبيتها تتناقل من جيل إلى جيل، وأغانيها لا تزال تجد لها ملايين المستمعين والمعجبين حتى اليوم. لكن ما يجعل نموذج أم كلثوم مثيراً للإعجاب بشكل خاص هو أنها تمثل أنجح نموذج لسيدة مصرية فى العصر الحديث، امرأة استطاعت أن تحقق المجد الفنى والنجاح المادى، لكنها لم تنس واجبها تجاه وطنها.
كان بإمكان أم كلثوم، وهى فى قمة مجدها وثروتها، أن تترك بلدها المهزوم وتسافر إلى أى بلد فى العالم، تقيم الحفلات وتجنى الأموال وتستمتع بأوقاتها، لكنها اختارت الطريق الأصعب: أن تقف فى صف وطنها فى أحلك الأوقات، وأن يكون صوتها جندياً فى معركة البلد الوجودية.
ما أسهل أن يترك الإنسان بلده ويرحل عندما تكون مهزومة ومنكسرة، لكن أم كلثوم اختارت البقاء والمقاومة والعطاء. نجحت فى اختبار الوطنية بامتياز، وأثبتت أن الفن ليس مجرد ترفيه، بل يمكن أن يكون سلاحاً فعّالاً فى مواجهة الأزمات.
الشكر موصول، يا ثومة، على كل ما قدمته لمصر والمصريين، على فنك الفريد، وعلى الموقف الذى أصبح درساً فى الوطنية والانتماء. دام صوتك خالداً فى قلوبنا وذاكرتنا الجماعية عبر الأجيال، شاهداً على زمن كان فيه الفن رسالة، والفنان مقاتلاً من أجل الوطن.


مواضيع متعلقة