أشرف غريب يكتب: شادية.. موعد مع الخريف

كتب: editor

أشرف غريب يكتب: شادية.. موعد مع الخريف

أشرف غريب يكتب: شادية.. موعد مع الخريف

تلقيت الخميس الماضى دعوة كريمة من الصديق المخرج أشرف فايق، المشرف على صالون «كلام فى السيما» الذى يستضيفه شهرياً مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية؛ كى أكون متحدثاً عن الفنانة العظيمة «شادية» إحياء لذكرى رحيلها الثامنة التى حلت فى الثامن والعشرين من نوفمبر الماضى، وبقدر ما أسعدنى وجودى وسط كوكبة من الأسماء الفنية والصحفية الكبيرة بقدر ما تداعت فى الخاطر مجموعة من التأملات تتعلق تحديداً بالسنوات الأخيرة فى حياة الفنانة الراحلة ذكرت بعضها فى هذا اللقاء، ولم يسعفنى الوقت فى التوقف أمام بعضها الآخر.

فقد كانت «شادية» على موعد دائم مع الخريف، كل نهاياتها القاطعة والفاصلة كانت -ويا لدهشة القدر- فى خريف نوفمبر بالتحديد، حيث تتبعثر الأوراق وتتساقط الأشجار ويختفى النهار سريعاً فى عتمة الليل الذى يزداد طولاً وغموضاً، وتفرش الكآبة رداءها الفضفاض على النفوس والأمزجة، نهايات بلا رجعة، نقطة لا يتبعها سطر جديد، وخواتيم ليس من بعدها ردة.. فقد تركت «شادية» التمثيل بعد عرض آخر أفلامها «لا تسألنى من أنا» فى نوفمبر 1984، ولم يعاودها الحنين إليه من جديد، وتركت الغناء بعد ذلك بعامين عقب مشاركتها فى حفل الليلة المحمدية فى نوفمبر 1986، ولم تتشوق إلى ذلك الذى ظلت تهيم به طوال أربعين عاماً، ثم تركت الحياة كلها فى نوفمبر 2017 لتعلن نهاية جميع النهايات وختام كل الخواتيم بعد واحد وثلاثين عاماً من قرارها اللافت بإعطاء ظهرها لكل مظاهر الشهرة والأضواء واعتزال الفن نهائياً، ولكن هل كان قرار اعتزال شادية مفاجئاً فى حينه؟

إذا أردنا الدقة نستطيع القول إنه كان نصف مفاجأة أو نصف متوقع.. كلاهما صحيح، وكلاهما بحاجة إلى توضيح، فمنذ التاسع عشر من نوفمبر 1984 حينما عرضت سينما «ديانا» بالقاهرة فيلم «لا تسألنى من أنا» للمخرج أشرف فهمى وحتى قرار اعتزالها بعد عامين من هذا التاريخ لم تفكر «شادية» فى أى مشروع سينمائى جديد ولم تنشر الصحافة المتشوقة دائماً لأخبار النجمة الكبيرة أى خبر فى هذا الصدد، الأمر نفسه بالنسبة لنشاطها المسرحى بعد انتهائها من عرض تجربتها المسرحية الوحيدة «ريا وسكينة» مع فرقة الفنانين المتحدين فى التوقيت ذاته، فضلاً عن انسحابها شبه التام من الظهور فى الحفلات الغنائية العامة، لذلك بدا للمتابعين أن النجمة الكبيرة فقدت حماسها للدخول فى مشاريع فنية جديدة، وأنها ربما كانت تعد فى مكنون نفسها لقرار مصيرى فى هذا الاتجاه، وهو ما حدث بالفعل، ولذلك كان الأمر متوقعاً بنسبة كبيرة، ومع هذا لم تخل المسألة من قدر من المفاجأة، فقد جاء قرار الاعتزال النهائى بعد أسابيع قليلة من مشاركتها فى حفل «الليلة المحمدية» الذى غنت فيه أغنيتها التى أصبحت شهيرة بفعل قرار اعتزالها «خد بإيدى»، فبدا الأمر عند الإعلان عن اعتزالها كما لو كان استجابة ربانية سريعة لدعاء الفنانة الكبيرة، فضلاً عن أن اعتزال الفنانات لأسباب دينية لم يكن حتى ذلك الوقت ظاهرة لافتة إذ كانت اثنتان أو ثلاث فقط أبرزهن شمس البارودى قد سبقنها فى قرار مماثل، فإذا بفنانة بقيمة «شادية» وقامتها واسمها الكبير تتخذ قراراً كهذا يلفت الانتباه لتلك الظاهرة أو يأذن -على الأرجح- لبدء الظاهرة التى عرفتها الحياة الفنية ربما حتى نهاية التسعينات من القرن الماضى، ورغم أن «شادية» لم تكن لا الأولى ولا الأخيرة التى تقرر اعتزال الفن على خلفية دينية فإنها تعد حالة مختلفة بين كل قريناتها المعتزلات:

أولاً: إذا استعرضنا قائمة الفنانات المعتزلات من أول هناء ثروت وشمس البارودى مروراً بمديحة كامل ونورا وسهير رمزى وعفاف شعيب وسهير البابلى وشهيرة ومديحة حمدى وصابرين وغيرهن، وصولاً إلى عبير الشرقاوى وميار الببلاوى، تبقى «شادية» بين كل هؤلاء هى الاسم الأكبر والأهم، وصاحبة التجربة الفنية العريضة والأطول عمراً والأكثر تأثيراً.

ثانياً: تراجعت معظم هذه الأسماء عن قرار اعتزالها بعد عدة سنوات وعدن إلى التمثيل من جديد سواء بخلع الحجاب (فريدة سيف النصر وميرنا المهندس على سبيل المثال) أو بالتحايل عليه بالباروكة (صابرين ثم سهير رمزى) أو بالإبقاء عليه كحال الكثيرات.. المهم أنهن تراجعن أما «شادية» فبقيت مع القليلات اللائى حافظن على موقفهن الثابت من الاعتزال رغم كل الإغراءات والضغوط.

ثالثاً: تعتبر «شادية» الوحيدة بين كل من اتخذن هذا القرار التى لم تحرم الفن أو تتبرأ من تاريخها الطويل فيه، وكل ما كانت تصرح به حتى للمقربين منها أن الله قد هيأ لها طريقاً آخر كى تعطى فيه، وهى بالفعل لم تتوقف حتى قبل أزمتها الصحية الأخيرة التى انتهت بالوفاة عن عمل الخير ومساعدة المحتاجين، ولها أيادٍ بيضاء كثيرة فى مشاريع إنسانية عدة معظمها لم يتم الإعلان عنه.

رابعاً: حتى أولئك اللائى حافظن على قرار اعتزالهن كان ظهورهن العلنى اعتيادياً سواء فى المناسبات العامة كحال الفنانة نورا، أو عبر أحاديث صحفية ليست قليلة من آن لآخر كما عند شمس البارودى مثلاً.. أما «شادية» فقد كانت تجلياتها عزيزة وشحيحة ونادرة، وفى مناسبات مفصلية واضحة بحيث يمكن بسهولة رصد «ظهوراتها» أو ما اقترب منها خلال تلك الأعوام الثلاثين مثلما حدث فى ذروة أحداث يناير 2011 على سبيل المثال.

ولهذا كله وغيره جمعت «شادية» بين محبة الجميع واحترامهم على اختلاف مستوياتهم وتوجهاتهم، وهو ما يفسر لماذا انفجر الشارع المصرى والعربى محبة وتقديراً عقب إعلان رحيل «شادية» قبل ثمانى سنوات فى مظاهرة لم تتحقق لغيرها من نجوم الفن على مدى التاريخ، هذه المظاهرة التى لم يخفت أثرها حتى اليوم رغم مرور كل هذه الأعوام على رحيلها بدليل هذا الدفء الجميل الذى احتوى ليلة الاحتفاء بشادية فى صالون «كلام فى السيما» قبل أيام قليلة، وكانت فرصة طيبة لنستعيد معاً الكلام عن «شادية» إنسانة وفنانة، تاريخاً ومآثر، رمزاً ومعنى وعطاء كبيراً سيبقى ترديداً خالداً لمئات السنين.


مواضيع متعلقة